مقالات تربوية

فهم اختلاف الفقهاء دون أن يهتز يقين الأبناء أو يتعصبوا

فهم اختلاف الفقهاء دون أن يهتز يقين الأبناء أو يتعصبوا

يعود الابن من المسجد أو المدرسة ويقول: "المعلّم قال إن هذا لا يجوز، وجارنا يقول إنه جائز. من منهما على حق؟" وقد يسأل بعد ذلك: "هل الدين يقول شيئين؟" وهنا تحتاج الأسرة إلى جواب هادئ يحفظ يقينه ويمنعه من التعصب.

 

الخلاف في الفروع واقع لا مفر منه

يقرر الملف أن الخلاف في فروع الدين أمر لا بد منه ضرورةً، ويذكر له خمسة أسباب:

  1. اختلاف العقول في قوة الاستنباط وضعفه، وفي إدراك الدلائل أو الجهل بها، والغوص على أعماق المعاني، وارتباط الحقائق بعضها ببعض.
  2. سعة العلم وضيقه: فهذا بلغه ما لم يبلغ ذاك، والآخر كذلك.
  3. اختلاف البيئات، حتى إن التطبيق ليختلف باختلاف كل بيئة.
  4. اختلاف الاطمئنان القلبي إلى الرواية عند التلقين لها.
  5. اختلاف تقدير الدلالات: فهذا يعتبر عمل الناس مقدَّمًا على خبر الآحاد مثلًا، وذاك لا يقول به.

الإجماع على أمر واحد في فروع الدين مطلب مستحيل، بل هو يتنافى مع طبيعة الدين، وأن الله يريد لهذا الدين أن يبقى ويخلد ويساير العصور، فهو "سهل مرن هيّن ليّن لا جمود فيه ولا تشديد."

ففي هذه الأسباب الخمسة جواب يطمئن الابن: ليس الاختلاف شكًّا في الدين، بل صورة من اجتهاد الناس في فهم الأدلة، مع اختلاف علمهم وبيئاتهم.

عن ابن تيمية رحمه الله (الفتاوى 34/172، بتصرف يسير): "وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]، وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة والمحبة وأخوّة الدين."

والصورة واضحة: تناظر لا تخاصم، ومشاورة لا غلبة، وبقاء الألفة والمحبة وأخوّة الدين.

وللنص تقييد: فمن خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة لا يُعذر فيه، بحسب النص. ففي الدين ما هو قطعي لا يدخله الخلاف، وما هو اجتهادي يتسع له الصدر.

 

قاعدة للتعامل مع الخلاف

ويورد الملف قاعدة جامعة: "والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببًا للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء، ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجرّ ذلك إلى المراء المذموم والتعصب."

ومما جاء فيه أيضًا عن غير المتخصص: "ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إمامًا من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرّف أدلته، وأن يتقبّل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صحّ عنده صلاحُ من أرشده وكفايته."

 

كيف نطبّق هذا في البيت؟

1) قل له: "كلاهما يطلب الدليل". إذا اختلف عليه معلمان، لا تعطه حكمًا قاطعًا في الأمر المختلف فيه، بل قل: "كلٌّ منهما اجتهد، وسنسأل من نثق بعلمه وننظر في الدليل."

2) فرّق له بين ما يُختلف فيه وما لا يُختلف. الصلاة والصدق وبرّ الوالدين لا خلاف في أصلها، وكيفية بعض الفروع وهيئاتها فيها سعة. فلا يتعلّم أن "كل شيء فيه خلاف".

3) علّمه ألا يسخر ممن خالفه. إذا رأى زميله يتبع قولًا مختلفًا فلا يضحك منه ولا يتهمه. فالأصل الألفة وأخوة الدين.

4) علّمه أن يطلب الدليل بأدب. لا بنبرة المعارض، بل بنبرة الطالب: "ما دليلكم؟" ثم يقبل الإرشاد الصحيح.

5) كن أنت المثال. حين يختلف أبواك مع خالٍ أو عمّ في مسألة فرعية، فليرَ الابنُ كيف يكون الحوار لطيفًا وينتهي بالمودة.

 

ما نحذر منه

  • أن نجعل كل خلاف "فتنة". فنخيف الابن من السؤال.
  • أن نتساهل فنقول: "كله جائز". فالقطعيات لا خلاف فيها.
  • أن نجعل المسألة الفرعية "شعارًا" يُمتحن به الناس. فتتحول إلى سبب للقطيعة.

 

خاتمة

من أراد أن يربّي ولدًا ثابت اليقين رحب الصدر، فليعلّمه أن الله جعل دينه واسعًا في فروعه، وأن العلماء الكبار اختلفوا وبقيت بينهم المحبة. وصدق الله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]

 

 

اقرأ أيضًا: حين يكون السائل هو صاحب الفضل

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم