سلوك مقاوم للنصيحة
ألا تتفق معي أيها القارئ الكريم في أن قراءة النصائح العامة، والتوجيهات التربوية المطلقة فى محيط التربية والاجتماع من منظور شخصي، وإسقاط نفسي فردي يحول دون الانتفاع بها، ويصد عن قبولها؟ وتسلك القراءة على هذا النحو بصاحبها طريق التبرير وتحفزه للانتصار للذات والدفاع عن النفس بل والهجوم على الناصح .
وهذا السلوك المقاوم للنصيحة يدعو إلى نوع من الإحجام عن التصحيح والتقويم فى مسيرتنا الاجتماعية والتربوية ، ويجعلنا نتحسس كثيرا قبل أن ننطق بأى كلمة نعتقد صوابها وصدق توجهها ، ويحول دون وضع الأيدى على مكامن الداء لنلتمس لها الدواء.
كان فى القديم يطلب الإنسان النصح من صديقه ، ولما عز هذا الأمر كان التوجيه النبوى العام "ما بال أقوام" هو الأنسب لتغير الزمان ، ومراعاة للنفوس التى لم تألف النصيحة، ولم تتعود على ممارستها
إياكِ أعني واسمعي يا جارة
ما معنى ما ورد فى السنة أن النبي -ﷺ- كان إذا رأى ما يستحق التوجيه والتصحيح ؛ صعد المنبر ووجه العام والخاص بقوله "ما بال أقوام" ليستفيد المجموع، والمقصود بالتوجيه معا، ويفهم التوجيه من كان يعى، كما يقول المثل: " إياك أعني واسمعي يا جارة " ؟
ما معنى ذلك إلا أن يكون هناك من يعرف نفسه تماما أنه المقصود بقول النبي -ﷺ- وتوجيهه ، فيستفيد به على النحو الذى يصحح به ما كان من نقص أو خلل، ويستفيد كذلك العامة ، وكلنا صاحب ذنب ، وكلنا صاحب خطأ .
وقد تتبعت هدي النبي -ﷺ- في التوجيه والإرشاد ، وتربية أصحابه ، وتصويب أخطائهم ، وتصحيح مسالكهم ، على طريقة " ما بال أقوام " فوجدت من ذلك كثيرا .
جاء فى شرح السنة للإمام البغوي أن عائشة، قالت: كان النبي -ﷺ- إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: " ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ".
وروى البيهقي في شعب الإيمان عن النبي -ﷺ- أنه كان ما يواجه رجلا بشيء يكرهه ولكن يقول: " ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ "
وفى صحيح ابن حبان عن ابن عباس ، ورد تصحيح للشروط فى البيوع، قال: اشترت عائشة بريرة من الأنصار لتعتقها، واشترطوا عليها أن تجعل لهم ولاءها، فشرطت ذلك ، فلما جاء نبي الله -ﷺ- أخبرته بذلك، فقال ﷺ: "إنما الولاء لمن أعتق" ثم صعد المنبر، فقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله" . وفى رواية البخارى : "من اشترط شرطا ليس في كتاب الله ، فليس له، وإن اشترط مائة مرة ".
وروى البخاري من حديث أنس بن مالك فى توجيه النبى للمصلين إلى كراهية رفع البصر إلى السماء فى الصلاة ، قال: قال النبي ﷺ: " ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم " ، فاشتد قوله في ذلك، حتى قال: "لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم".
وروى البخاري عن عائشة فى بيان رفقه بأمته وحرصه على التخفيف عليهم ، قالت: صنع النبي -ﷺ- شيئا، فرخص فيه فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فخطب، فحمد الله، ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ، فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية " .
وروى مسلم عن أنس، أن نفرًا من أصحاب النبي -ﷺ- سألوا أزواج النبي -ﷺ- عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" .
قال الإمام النووي معقبا على ذلك : هو موافق للمعروف من خطبه -ﷺ- في مثل هذا ، أنه إذا كره شيئا فخطب له ذكر كراهيته ولا يعين فاعله ، وهذا من عظيم خلقه ﷺ؛ فإن المقصود من ذلك الشخص وجميع الحاضرين وغيرهم ممن يبلغه ذلك ولا يحصل توبيخ صاحبه في الملأ.
وروى أحمد فى مسنده عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول على المنبر: " ما بال أقوام تقول: إن رحم رسول الله -ﷺ- لا تنفع يوم القيامة، والله إن رحمي لموصولة في الدنيا والآخرة، وإني - أيها الناس - فرط لكم على الحوض " .
وروى أحمد أيضا عن عروة بن الزبير فى تصحيح الفهم الخاطىء للعامة بعد أن وجه صاحب الواقعة على نحو خاص ، قال: سمعت أبا حميد الساعدي يقول: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن اللتبية على الصدقة، فلما جاء حاسبه النبي ﷺ، فقال: هذا لكم، وهذه هدية أهديت إلي. فقال: النبي ﷺ: "ألا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك"، فلما صلى رسول الله -ﷺ- الظهر قام فخطب، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، ما بال أقوام نوليهم أمورا مما ولانا الله، ونستعملهم على أمور مما ولاني الله، ثم يأتي أحدهم فيقول: هذا لكم، وهذه أهديت إلي، ألا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والذي نفس محمد بيده لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا جاء يوم القيامة يحمله على عاتقه ".
الرقي في التربية والتوجيه
وفى الاستفادة من طريقة النبى صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام" فى التربية والتوجيه تجنبا للإحراج ، كان بعضهم يستخدم الكتابة فى التنبيه والتوجيه ، روى البيهقى في شعب الإيمان عن عبدالرحمن بن مطرف، قال: " كان الحسن بن حي إذا أراد أن ينصح أخا له كتب له في ألواح وناوله ".
وقد بشر الله تعالى صنفا من عباده بالجنة كما قال مقاتل في تفسيره ثم نعتهم فقال: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾. وقال شيخ المفسرين الطبري فى نفس الآية : يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: فبشر يا محمد عبادي الذين يستمعون القول من القائلين، فيتبعون أرشده وأهداه، وأدله على توحيد الله، والعمل بطاعته.
جعلنا الله وإياكم من هؤلاء المبشرين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
.
د. فتحي محمد أبوالورد
مدير مكتب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالقاهرة، شخصية تغلّب روح الإسلام الوسطي المعتدل، وتناقش أمور المسلمين بموضوعية مستنيرة وبحكمة، وأسلوب يعتمد أدب الحوار مع الآخر المخالف في الرأي والاتجاه والمنهج أيضاً.