في السنة التي أتم فيها الحاج منصور عامه الخامس والخمسين شعر لأول مرة أن السوق يركض وهو يمشي. متجره للأدوات المنزلية الذي ورثه عن أبيه ظل أربعين عاماً يعمل بالطريقة نفسها: دفتر، وميزان، وابتسامة.
جاء ابن أخيه المهندس ذات مساء يحمل حاسوباً محمولاً وجملة واحدة "يا عمي دع الذكاء الاصطناعي يدير المتجر وسترى ما لم تره في أربعين سنة."
وقد كان بالفعل
نظام ذكي يسعّر البضاعة تلقائياً حسب الطلب، ويرسل عروضاً مخصصة لكل زبون على هاتفه،
ويقترح على المتردد ما يجعله يشتري.
وفي الشهر الأول قفزت الأرباح ثلاثين بالمئة. وفي الثالث تضاعفت.
صار الحاج منصور يجلس خلف الشاشة أكثر مما يجلس خلف الميزان.
في البيت كانت حكاية أخرى تنمو بهدوء.
ابنته الصغرى جودي ذات الأعوام العشرة حصلت في المدرسة على تطبيق تعليمي ذكي لإدارة مصروفها.
تطبيق بسيط يسألها كل مساء كم أنفقتِ؟ وفيمَ؟ وهل بقي شيء تدخرينه أو تتصدقين به؟
وكان التطبيق يروي لها كل أسبوع قصة قصيرة عن الصحابة والتجارة والأمانة.
ذات ليلة وبينما الحاج منصور يراجع تقارير النظام جاءته جودي بهاتفها الصغير: "بابا، التطبيق أعطاني اليوم سؤالاً محتاراً فيه، إذا عرفتُ أن صديقتي تحتاج القلم كثيراً هل يجوز أن أبيعها إياه بسعر أغلى لأنها مضطرة؟"
رفع الحاج منصور عينيه عن الشاشة.
على الشاشة نفسها كان تقرير النظام يتباهى بإنجاز الأسبوع: تم رفع أسعار المدافئ ٤٠٪ خلال موجة البرد.
نسبة الشراء لم تتأثر. الزبائن مضطرون.
قال لها بصوت خفيض: وماذا أجبتِ؟
قالت: كتبتُ: حرام. لأن التطبيق علّمنا حديث النبي ﷺ: من غشنا فليس منا، رواه مسلم. والذي يستغل حاجة صاحبه يشبه الذي يغشه، أليس كذلك يا بابا؟"
لم يجب.
ظلت الجملة معلقة في الغرفة كرائحة دخان.
في الأيام التالية بدأ الحاج منصور يقرأ التقارير بعين مختلفة.
اكتشف أن النظام يرسل عروض التقسيط المغرية للزبائن الأكثر ديوناً تحديداً، لأنهم الأسرع استجابة. واكتشف أنه يخفي المنتج الرخيص الجيد في أسفل الصفحة، ويرفع الغالي إلى الواجهة.
كل ذلك دون أن يكذب النظام كذبة واحدة صريحة.
الآلة كانت تنفذ بدقة الهدف الوحيد الذي أُعطيت: الربح الأقصى.
تذكر أباه رحمه الله حين كان يقف في هذا المتجر نفسه ويقول للزبون: هذه فيها عيب صغير من هنا، انظر قبل أن تدفع. خسر أبوه صفقات كثيرة بهذه الجملة وكسب سوقاً كاملة تشهد له أربعين سنة.
استدعى ابن أخيه المهندس وسأله سؤالاً واحداً: هذا النظام، من علّمه أن المضطر فرصة
أجاب الشاب محرجاً: لم يعلّمه أحد يا عمي. نحن فقط طلبنا منه أعلى ربح، وهو وجد الطريق.
قال الحاج منصور: إذن المشكلة في السؤال الذي سألناه، وليست في الذي أجاب.
ابنتي عندها تطبيق يسألها كل ليلة عن الصدقة، وأنا عندي نظام يسألني كل ليلة عن الهامش. كلانا يتربى على يد آلة والفرق فيمن كتب لها وصيتها الأولى.
جلس الرجلان أسبوعاً كاملاً يعيدان كتابة قواعد النظام.
وضعا سقفاً للتسعير وقت الحاجة وأوقفا استهداف الغارقين في الديون بعروض التقسيط،
وأضافا قاعدة غريبة على عالم التجارة الرقمية: إذا كان المنتج الأرخص يفي بحاجة الزبون يُعرض عليه أولاً.
ثم أضاف الحاج منصور بنفسه سطراً أخيراً:
يقتطع النظام تلقائياً زكاة عروض التجارة كل حول ويعرض عليه مصارفها.
انخفضت الأرباح في الشهر الأول.
ثم حدث ما لم يتوقعه أحد: بدأ الزبائن يتحدثون. متجر يقترح عليك الأرخص إذا كان يكفيك؟
متجر يقول لك لا تشترِ بالتقسيط، وضعك لا يحتمل"؟
صارت الثقة إعلاناً يمشي على الأقدام، وعاد الربح من الباب الذي خرج منه، ومعه زبائن ما كانوا ليأتوا لولا ما سمعوا.
في نهاية ذلك العام جاءت جودي إلى أبيها بهاتفها كعادتها:
بابا، التطبيق يسأل: ما أفضل استثمار قمتَ به هذا العام؟
ابتسم الحاج منصور وقال: اكتبي: أفضل استثمار هذا العام... سؤالٌ سألتْنيه ابنتي عن قلم.
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.
د. علي شيخون
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.