مقالات تربوية

حين يكون السائل هو صاحب الفضل

حين يكون السائل هو صاحب الفضل

نتعلم منذ الصغر أن نُحسن إلى من يطلبنا، لكننا نادرًا ما نتعلم أن الذي يطلب هو من أكرمنا. فالمحتاج حين يختارنا من بين كثيرين، فقد وثق بنا، وجعلنا موضع أمانته.

 

كلمة ابن عباس

"الطريق إلى محبة الناس" عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله:

"ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسّع لي في المجلس، ورجل اغبرّت قدماه في المشي إليّ إرادة التسليم عليّ. فأما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله عز وجل. قال: رجل نزل به أمر فبات ليلته يفكر بمن ينزله، رآني أهلًا لحاجته فأنزلها بي."

لاحظ ما في الكلام. فابن عباس يعدّ ثلاثة أصناف من حسن الخلق: السلام، والتوسعة في المجلس، والمشي للزيارة. ثم يقف عند الرابع ويقول إنه لا يستطيع أن يكافئه أبدًا، وإن الله وحده هو الذي يكافئه. ومن هو؟ رجل أصابته حاجة، فقضى ليلته يقلّب الوجوه ويفكر: من ألجأ إليه؟ فوقع اختياره عليه.

فليس هذا الرجل مثقِلًا، بل صاحب منّة. لقد أعطى مَن قصده ثقته وشهادة عملية بأنه أهل لها.

 

ما يترتب على هذا الفهم

حين نربّي أنفسنا وأبناءنا على هذا الميزان، يتغير سلوكنا:

  • لا نتضايق من السائل. فقد جاءنا بعد تفكير وحرج.
  • لا نمنّ بقضاء الحاجة. إذ إن صاحب الفضل هو من اختارنا.
  • لا نحاسبه على حرجه. فكثير من المحتاجين يتألمون من السؤال أكثر من ألم الحاجة.

 

ما وعد الله به

وفي الملف الحديث الذي يعلي من شأن قاضي الحاجات: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، مَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومَن فرّج عن مسلم كربةً من كُرب الدنيا فرّج الله عنه كربةً من كُرب يوم القيامة، ومَن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة." (متفق عليه).

وفي الحديث الآخر الذي أورده الملف بتخريج السلسلة الصحيحة: "أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرورٌ يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا… ومَن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام."

فهنا ثلاث درجات: معيّة الله في الدنيا لمن كان في حاجة أخيه، وتفريج كرب يوم القيامة، وثبات القدم يوم تزول الأقدام. وليست الأجور صغيرة لتُقابَل بتبرّم.

 

كيف نربّي أبناءنا على هذا؟

1) علّمهم أن يقولوا "تفضّل" قبل أن يسألوا "لماذا". حين يطلب منهم أحد مساعدة، فالبداية بالاستجابة ثم الاستيضاح.

2) علّمهم أن يطلبوا بأدب. فكما أن للمجيب أدبًا، فللسائل أدبٌ: أن يختار الوقت، ويوجز، ويشكر، ولا يحرج.

3) علّمهم أن السؤال ليس عيبًا. يخجل بعض الأطفال من الاعتراف بحاجتهم. فإذا عرفوا أن الذي يطلب بكرامة قد أحسن الظن، سهل عليهم.

4) كن قدوة. إذا طرق بابك محتاج فاستقبله وجهًا بشوشًا، سمعك أولادك وتعلموا منك.

5) اشكر من يقصدك. قل له: "جزاك الله خيرًا أنك فكرت بي." فهذه الجملة تردّ إليه كرامته.

 

ما نحذر منه

  • أن نجعل قضاء الحاجة وسيلة لإظهار فضلنا. فالنية لله.
  • أن نملّ. وقد قال الملف نصًّا إن قدرتك على قضاء حاجات الناس نعمة من الله، فلا تملّها فتنقلب نقمة.
  • أن نخلط بين الإحسان والتبعية. فنقضي ما نقدر عليه، ونعتذر بلطف عمّا لا نقدر.

 

خاتمة

إذا طرق بابك محتاجٌ، فتذكّر كلمة ابن عباس رضي الله عنهما: رآني أهلًا لحاجته. واعلم أنك لست المتفضل وحدك، بل إن الذي جاءك قد تفضّل عليك أولًا بثقته، وجعل لك فرصة ليكون الله في حاجتك.

 

 

اقرأ أيضًا: انعكاس الأسماء الحسنى على حياة المربي

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم