المقال الثالث في سلسلة تربية الأبناء على القيم من خلال سورة لقمان:
الأدب مع الوالدين: تعليم الاحترام، وحسن الخلق للأبناء من خلال وصايا لقمان لابنه
المقدمة:
إذا كانت التربية صناعةَ إنسانٍ قبل أن تكون بناءَ معلومات، فإنَّ الأدب مع الوالدين هو أول معيار يُقاس به نجاح التربية أو فشلها. وقد جاءت سورة لقمان لتضع لنا منهجًا ربانيًا متكاملًا في غرس هذا الخُلُق العظيم في نفوس الأبناء، لا بالأوامر الجافة، بل بالحب، والحكمة، والتدرج، وربط السلوك بالإيمان.
وسورة لقمان ليست مجرد مواعظ أخلاقية، بل منهج تربوي عملي يُعيد تشكيل الضمير الإنساني، ويصنع جيلًا يعرف كيف يحترم، وكيف يبرّ، وكيف يتعامل بأدب حتى في مواضع الخلاف.
أولًا: برّ الوالدين أصلٌ إيماني قبل أن يكون خُلُقًا اجتماعيًا
يربط القرآن بين توحيد الله وبر الوالدين ربطًا مباشرًا، وكأن الأدب مع الوالدين ثمرة طبيعية لصحة العقيدة.
قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]
يقول ابن كثير رحمه الله:
«قرن الله شكر الوالدين بشكره؛ لأنهما السبب الظاهر في وجود الإنسان وتربيته»،(تفسير ابن كثير).
ويؤكد الطبري أن هذه الوصية جاءت عقب التحذير من الشرك؛ ليُعلِم أن أعظم الحقوق بعد حق الله هو حق الوالدين.
دلالة تربوية:
حين نُعلّم أبناءنا أن احترام الوالدين عبادة، لا مجاملة، فإننا نزرع فيهم رقابة داخلية لا تزول بغياب الوالد أو المعلم.
ثانيًا: نموذج لقمان في التربية بالأدب لا بالعنف:
يُلفت القرآن أنظارنا إلى أسلوب لقمان في الخطاب، حيث يقول:
﴿يَا بُنَيَّ﴾
وهي كلمة حانية، مليئة بالحب، قبل أن تكون توجيهًا.
يقول ابن عاشور:
«التصغير في (يا بنيّ) إشعار بالشفقة واللطف، وهو من أبلغ أساليب التربية»،(التحرير والتنوير).
قاعدة تربوية:
الأدب لا يُغرس بالصراخ، بل بالقدوة والكلمة الطيبة.
فالطفل الذي يُخاطَب باحترام، يتعلم الاحترام دون درسٍ نظري.
ثالثًا: الأدب مع الوالدين حتى في حال الاختلاف:
من أعظم ما في سورة لقمان أنها تُعالج أصعب موقف تربوي:
الاختلاف العقدي بين الابن ووالديه.
قال تعالى:
﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾،(لقمان: 15)
يقول القرطبي:
«في الآية دليل على أن بر الوالدين لا يسقط بالاختلاف في الدين».
درس تربوي عميق
نُعلّم أبناءنا أن:
الرفض يمكن أن يكون مؤدبًا
والاختلاف لا يبرر الإساءة
والاحترام لا يعني التنازل عن الحق
وهذا من أعظم ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم.
رابعًا: أثر الأدب مع الوالدين في بناء شخصية الابن:
الأبناء الذين يتربون على احترام الوالدين:
يكونون أكثر اتزانًا نفسيًا
أعمق تقديرًا للآخرين
أصدق التزامًا بالقيم
قال النبي ﷺ:
«رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد»،(رواه الترمذي).
ويقول الإمام الغزالي:
«من لم يتأدب مع والديه، عجز عن الأدب مع ربه وخلقه».
خامسًا: مسؤولية الوالدين في غرس خُلُق الاحترام.
لا يُمكن أن نطالب الأبناء بالأدب، ونحن نمارس:
القسوة
الإهانة
التسلط
يقول حسن البنا رحمه الله:
«البيوت التي يسودها الاحترام، تُخرّج رجالًا ونساءً يصنعون الحياة».
تطبيق عملي
احترم زوجتك أمام أبنائك
اعتذر إذا أخطأت
اخفض صوتك
اجعل بيتك مدرسة للأخلاق قبل أن يكون مكانًا للأوامر
خاتمة:
لقد قدّم لنا القرآن الكريم في سورة لقمان خارطة طريق تربوية لبناء جيلٍ يعرف معنى الأدب، ويُجيد فن الاحترام، ويبرّ والديه عن وعيٍ وإيمان.
إن الأدب مع الوالدين ليس خُلُقًا فرديًا، بل هو حجر الأساس في نهضة الأسر، واستقرار المجتمعات، وصناعة أمة تعرف الوفاء قبل المطالبة بالحقوق.
فحيثما صَلُحَت العلاقة بين الأبناء ووالديهم، صَلُحَت علاقتهم مع الله ومع الناس.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية