بحوث ودراسات

مفهوم الأسوة الحسنة ودوره في تطوير نظرية إسلامية للتربية وإعداد القيادات

مفهوم الأسوة الحسنة ودوره في تطوير نظرية إسلامية للتربية وإعداد القيادات

أهمية القدوة الحسنة وأثرها في التربية

مقدمة

يقدم لنا القرآن الكريم شبكة من المفاهيم المترابطة التي يمكن أن تشكل أساسًا لبناء الحضارة وهوية الأمة الإسلامية وقوتها، وهي مفاهيم يجب أن تتم دراستها بمنظور حضاري يقوم على أن الإسلام دين ودولة، وعبادة وقيادة، وحضارة وثقافة، ومنظومة قيم أخلاقية، ويجب أن تنطلق عقولنا لاستخدام تلك المفاهيم في بناء مجتمع المعرفة وتطوير علوم التربية والسياسة والقيادة والإدارة والاجتماع.

وسأركز لكم على مفهوم "الأسوة الحسنة" الذي يمكن أن يشكل أساسًا لقوة الفرد والمجتمع والدولة والأمة، فهو مفهوم يتميز بالثراء، ويمكن أن يفتح لنا آفاقًا جديدة لبناء المستقبل.

ولقد جاء هذا المفهوم في سورة الأحزاب: الآية 21 

﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾21)

كما جاء في سورة الممتحنة الآية 4

﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ (4)

ثراء المفهوم أساس تطوير العلوم

ونظرًا لثراء هذا المفهوم فقد تضمنت كتب تفاسير القرآن الكريم الكثير من المعاني والدلالات التي يمكن أن تفتح لنا مجالا لبناء النهضة.. حيث يقول ابن كثير :

هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله -ﷺ- في أقواله وأفعاله وأحواله ؛ ولهذا أمر الناس بالتأسي بالنبي -ﷺ- يوم الأحزاب ، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه ، عز وجل ، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين; ولهذا قال تعالى للذين تقلقوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ…﴾ أي : هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله ؟ ولهذا قال: ﴿لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا﴾

وتفسير ابن كثير يوضح أن الأمة كلها يجب أن تتأسى برسول الله -ﷺ- في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه.

وهذا يفتح لنا مجالا لدراسة كيفية تحويل التأسي برسول الله -ﷺ- إلى مشروع حضاري شامل تنطلق به الأمة لتغيير الواقع وبناء المستقبل. 

وكل فرد في الأمة يجب أن يتأسى بشمائل رسول الله -ﷺ- وأخلاقه؛ ومن أهمها: أن لا يقلق ولا يضطرب ويتزلزل؛ بل يصبر ويعبد الله بانتظار فرجه ونصره، وهو يثق في وعد الله بالنصر مهما كانت قسوة الواقع وتحدياته وتهديد العدو للأمة الاسلامية .

ويقدم لنا القرطبي إضافة مهمة تزيد إدراكنا لثراء المفهوم وأبعاده الحضارية فيقول : إن 

هذا عتاب للمتخلفين عن القتال؛ أي كان لكم قدوة في النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حيث بذل نفسه لنصرة دين الله في خروجه إلى الخندق. والأسوة: القدوة، والأسوة ما يتأسى به ، أي يتعزى به . فيقتدي به في جميع أفعاله ويتعزى به في جميع أحواله؛ فلقد شج وجهه ، وكسرت رباعيته ، وقتل عمه حمزة ، وجاع بطنه ، ولم يلف إلا صابرًا محتسبًا، وشاكرًا راضيًا . 

أما الطبري فإنه يضيف:

أن تتأسوا به وتكونوا معه حيث كان، ولا تتخلَّفوا عنه فإن من يرجو ثواب الله ورحمته في الآخرة لا يرغب بنفسه، ولكنه تكون له به أُسوة في أن يكون معه حيث يكون هو.

صورة مضيئة للمؤمنين 

لكن الشهيد سيد قطب يقدم لنا إضافة جديدة ؛ حيث ربط هذه الآية بسياق السورة كلها فيقول: 

ذلك كان حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في الصفوف ، وتلك كانت صورتهم الرديئة .. ولكن الهول والكرب والشدة والضيق لم تحول الناس جميعا إلى هذه الصورة الرديئة.. كانت هنالك صورة وضيئة في وسط الظلام، مطمئنة في وسط الزلزال ، واثقة بالله ، راضية بقضاء الله ، مستيقنة من نصر الله ، بعد كل ما كان من خوف وبلبلة واضطراب . 

ويبدأ السياق هذه الصورة المضيئة برسول الله -ﷺ- الذي كان الأمان للمسلمين ومصدر الثقة،  ودراسة موقفه في هذا الحادث الضخم يرسم لقادة الجماعة طريقهم ، ففيه أسوة حسنة .

هذا يعني أن القرآن الكريم رسم صورة مضيئة للمؤمنين الذين اقتدوا برسول الله -ﷺ- فظهر إخلاصهم وصبرهم وتضحياتهم ، وتلك كانت مقدمة النصر والتمكين، والتأسي برسول الله -ﷺ-يظهر أجمل مافي النفس الإنسانية، ويزيد قوتها في مواجهة أشد التحديات ، لذلك يعتبر الشهيد سيد قطب أن هذه الآية ترسم لقادة الحركة الإسلامية طريقهم ، وهو الاقتداء برسول الله ﷺ.

كيف توصل الشهيد سيد قطب إلى هذا المعنى ؟ إن القرآن الكريم يعطي للمؤمنين في كل عصر معاني جديدة تزيد قوتهم وقدرتهم علي مواجهة التحديات ، ولكي تعود الصورة المضيئة للمؤمنين التي تجلت في غزوة الخندق يجب أن يقتدي المؤمنون وقادتهم برسول الله -ﷺ- في أعماله وأقواله وثباته وثقته بنصر الله.

ويضيف الشهيد سيد قطب: 

خرج رسول الله -ﷺ- يعمل في الخندق مع المسلمين يضرب بالفأس ، يجرف التراب بالمسحاة، ويحمل التراب في المكتل . 

 وكانت روحه تستشرف النصر من بعيد ، وتراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول ؛ فيحدث بها المسلمين ، ويبث فيهم الثقة واليقين. 

فعندما اعترضت المؤمنين صخرة ضربها رسول الله ﷺ، فلمع برق خاطف ثلاث مرات ، فقال رسول الله : الله أكبر أما الأولي فإن الله فتح عليَّ بها اليمن ، وأما الثانية فإن الله فتح عليَّ بها الشام والمغرب ، وأما الثالثة فإن الله فتح عليَّ بها المشرق. (رواه ابن اسحق عن سلمان الفارسي).

 يقول الشهيد سيد قطب: 

ولنا أن نتصور اليوم كيف يقع مثل هذا القول في القلوب، والخطر محدق بها محيط، ثم تأتي صورة الإيمان الواثق المطمئن ؛ وصورة المؤمنين المشرقة الوضيئة ، في مواجهة الهول، وفي لقاء الخطر، الخطر الذي يزلزل القلوب المؤمنة ، فتتخذ من هذا الزلزال مادة للطمأنينة والثقة والاستبشار واليقين : 

لقد كان الهول الذي واجهه المسلمون في هذا الحادث من الضخامة ؛ وكان الكرب الذي واجهوه من الشدة ؛ وكان الفزع الذي لقوه من العنف ، بحيث زلزلهم زلزالًا شديدًا .

لقد كانوا ناسا من البشر، وللبشر طاقة، لا يكلفهم الله ما فوقها، وعلى الرغم من ثقتهم بنصر الله في النهاية ؛ وبشارة الرسول -ﷺ- لهم، تلك البشارة التي تتجاوز الموقف كله إلى فتوح اليمن والشام والمغرب والمشرق.. على الرغم من هذا كله ، فإن الهول الذي كان حاضرا يواجههم كان يزلزلهم ويزعجهم ويكرب أنفاسهم. 

ولكن كان إلى جانب الزلزلة، وزوغان الأبصار، وكرب الأنفاس. كان إلى جانب هذا كله الصلة التي لا تنقطع بالله ؛ والإدراك الذي لا يضل عن سنن الله ؛ والثقة التي لا تتزعزع بثبات هذه السنن ؛ وتحقق أواخرها متى تحققت أوائلها. ومن ثم اتخذ المؤمنون من شعورهم بالزلزلة سببا في انتظار النصر، وبعد هذا الهول وهذا الكرب وهذه الزلزلة لابد أن يجيئ النصر الذي وعد الله به المؤمنين. 

لقد كانوا ناسًا من البشر، لا يملكون أن يتخلصوا من مشاعر البشر، وضعف البشر، وليس مطلوبا منهم أن يتجاوزوا حدود جنسهم البشري ؛ ولا أن يخرجوا من إطار هذا الجنس؛ ويفقدوا خصائصه ومميزاته . فلهذا خلقهم الله . خلقهم ليبقوا بشرا ، ولا يتحولوا جنسا آخر، كانوا ناسا من البشر يفزعون، ويضيقون بالشدة، ويزلزلون للخطر الذي يتجاوز الطاقة. ولكنهم كانوا - مع هذا - مرتبطين بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله؛ و تمنعهم من السقوط؛ وتجدد فيهم الأمل، وتحرسهم من القنوط، وكانوا بهذا وذاك نموذجا فريدا في تاريخ البشرية لم يعرف له نظير . 

وعلينا أن ندرك هذا لندرك ذلك النموذج الفريد في تاريخ العصور . علينا أن ندرك أنهم كانوا بشرا ، لم يتخلوا عن طبيعة البشر ، بما فيها من قوة و ضعف، وأن منشأ امتيازهم أنهم بلغوا في بشريتهم هذه أعلى قمة مهيأة لبني الإنسان ، في الاحتفاظ بخصائص البشر في الأرض مع الاستمساك بعروة السماء . 

فإن ضعفنا مرة ، أو زلزلنا مرة ، أو فزعنا مرة ، أو ضقنا مرة بالهول والخطر والشدة والضيق . فعلينا ألا نيأس من أنفسنا ، وألا نهلع ونحسب أننا هلكنا ؛ أو أننا لم نعد نصلح لشيء عظيم أبدا ! ولكن علينا في الوقت ذاته ألا نقف إلى جوار ضعفنا لأنه من فطرتنا البشرية ! ونصر عليه لأنه يقع لمن هم خير منا ! هنالك العروة الوثقى . عروة السماء . وعلينا أن نستمسك بها لننهض من الكبوة ، ونسترد الثقة والطمأنينة ، ونتخذ من الزلزال بشيرا بالنصر . فنثبت ونستقر ، ونقوى ونطمئن ، ونسير في الطريق. 

ونضيف إلى ما قاله الشهيد سيد قطب رحمه الله: هنالك الأسوة الحسنة ، وأن نطلق خيالنا لنشاهد رسولنا الكريم -ﷺ- يواجه الأحزاب بجيشه من المؤمنين الصادقين الواثقين بنصر الله بالرغم من أنهم بشر مثلنا ، فتجلت صورتهم الوضيئة ، وظهر أجمل مافي أنفسهم. 

لكن قبل أن نمضي في تفصيل ما يمكن أن يفتحه  لنا هذا المفهوم من آفاق ، سنكتفي بتفسير الشهيد سيد قطب للآية الثانية التي ورد فيها هذا المفهوم في سورة الممتحنة : الآية 4 

﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَـٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾

يقول الشهيد سيد قطب : هذه الأمة هي أمة التوحيد ممتدة في الزمان متميزة بالإيمان .. إنها الأمة الممتدة منذ إبراهيم عليه السلام. 

وينظر المسلم فإذا له نسب عريق ، وماض طويل ، وأسوة ممتدة على آماد الزمان . وإذا هو راجع إلى إبراهيم ، لا في عقيدته فحسب ، بل في تجاربه التي عاناها كذلك . فيشعر أن له رصيدًا من التجارب أكبر من رصيده الشخصي وأكبر من رصيد جيله الذي يعيش فيه . إن هذه القافلة الممتدة في شعاب الزمان من المؤمنين بدين الله ، الواقفين تحت راية الله ، قد مرت بمثل ما يمر به ، وقد انتهت في تجربتها إلى قرار اتخذته . فليس الأمر جديدًا ولا مبتدعًا ولا تكليفًا يشق على المؤمنين . . ثم إن له لأمة طويلة عريضة يلتقي معها في العقيدة ويرجع إليها ، إذا أنبتت الروابط بينه وبين أعداء عقيدته. فهو فرع من شجرة ضخمة باسقة عميقة الجذور كثيرة الفروع وارفة الظلال . . الشجرة التي غرسها إبراهيم. 

فهي البراءة من القوم ومعبوداتهم وعباداتهم . وهو الكفر بهم والإيمان بالله . وهي العداوة والبغضاء لا تنقطع حتى يؤمن القوم بالله وحده . وهي المفاصلة الحاسمة الجازمة التي لا تستبقي شيئا من الوشائج والأواصر بعد انقطاع وشيجة العقيدة وآصرة الإيمان . وفي هذا فصل الخطاب في مثل هذه التجربة التي يمر بها المؤمن في أي جيل . وفي قرار إبراهيم والذين معه أسوة لخلفائهم من المسلمين إلى يوم الدين.

فالأسوة هنا بإبراهيم في البراءة من الكفر والشرك ، وفي الإيمان بالله وحده ، وفي المفاصلة الحاسمة الجازمة مع المشركين والكفار . 

إنه مصدر لقوة الأمة الإسلامية

بذلك نأتي إلى تحقيق الهدف من هذه الدراسة وهو كيف نحول هذا المفهوم إلى مصدر لقوة الأمة؟

 فمن أهم المعاني التي يتضمنها المفهوم موافقة القلب والعمل لروح الشريعة الإسلامية، فالطريق المستقيم الذي يصل بالفرد والأمة إلي النجاح والفوز والنصر والتمكين هو في إتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- والاقتداء به والعمل بسنته.

ولقد أقام الرسول -ﷺ- دولة وبني أمة وحضارة ، وأعد لهذه الأمة قيادات تمكنت من بناء حضارة عظيمة عندما اقتدت به بالقلب والعقل ، في السلوك والأخلاق والحكم ، وفي الحرب وفي السلم.

وليس لهذه الأمة في إصلاح أحوالها إلا سبيل واحد هو أن تتخذ  الرسول -ﷺ- أسوة لها في إقامة العدل والدفاع عن الحق ، وتحويل تلك السيرة إلى أساس لإصلاح الواقع .

كما أن إعادة الحضارة الإسلامية تبدأ بتحويل مفهوم الأسوة الحسنة إلى منهج عملي للأمة، وقوة دافعة، وأساسًا لبناء الهوية والشخصية الإسلامية وصورة الإسلام في العالم، فهذا المفهوم الحضاري القيادي  يبني مستقبل الأمة ويشكل قوتها.

كيف نستخدم المفهوم في بناء نظرية إسلامية لعلم القيادة؟

إن تجربة الرسول -ﷺ- في إعداد القيادات وتأهيلها تشكل أساسا لتطوير نظرية شاملة تبدأ من تحرير الإنسان ليكون عبدًا لله وحده، وأن يعبد الله سبحانه وتعالى بكل أعماله وسلوكه وبقلبه وعقله، وأن يكون القرآن الكريم وهو رسالة الله الخاتمة للبشرية هو مرجعه الأساس ، وأن يكون الرسول -ﷺ- هو قدوته، ومن يقتدي برسول الله -ﷺ- يستحق أن نصدقه ، ويصبح أهلًا لأن يقودنا لبناء المستقبل.

إن هذا المفهوم يفتح لنا مجالات جديدة لنطور سلوك القائد، ووظيفته ليقوم بدور تربوي وأخلاقي، فالقيادة الإسلامية التي تقوم على أن الرسول -ﷺ- هو الأسوة الحسنة هي رسالة قيمية وتربوية.

القيادة القدوة في الأخلاق والسلوك

عندما يكون رسول الله -ﷺ- هو الأسوة الحسنة للقائد ، فإن هذا القائد يمكن أن يصبح قدوة للناس التي تشتاق إلى التحرر من أسر الطواغيت واستخدام القيادات الكاريزمية لسلطاتها في قهر الناس وإجبارهم ، والقائد الإسلامي الذي يتأسي برسول الله -ﷺ- يمكن أن يشارك الناس همومهم ومعيشتهم كما كان يفعل رسول الله ﷺ، فالقيادة هنا تتحول إلي قيمة حضارية وأخلاقية . 

ورسول الله -ﷺ- هو المثل الأعلى في الأخلاق والقيم وإقامة العدل ، ومن يقتدي به يقيم العدل ويحترم كرامة الإنسان ، وبذلك تصبح القيادة القائمة على الأسوة الحسنة في رسول الله -ﷺ- وسيلة لبناء الإنسان قبل بناء الدول والحضارات ، فالإنسان هو الذي يبني الحضارة عندما تصبح عقيدته ورسالته أغلى عليه من نفسه.

والأسوة هنا تقوم على تجربة تاريخية تم تطبيقها في السياسة والسلم والحرب والتربية وبناء الدولة، وهي قابلة للتطبيق، وتجذب القلوب والعقول، وتحث الناس على ابتكار أفكار جديدة تسهم في بناء المستقبل، فمن أهم الأسس التي قامت عليها التجربة انطلاق المسلم بعد أن ملأ الإيمان قلبه ليفكر، وينظر، ويتأمل، وينتج، ويبني الحضارة، ويقود البشرية، ويعلم الناس، وينقل لهم المعرفة. 

لكن ما المكافآت التي يمكن أن يحصل عليها الإنسان عندما يتبع الرسول -ﷺ- ويتأسي به في القول والعمل ؟

 في علم القيادة الحديث يجب أن يقدم القائد حوافز ومكافآت للناس الذين سيقومون بأداء المهام ، أما في الإسلام فإن الفرد يعمل ويضحي لأنه ينتظر الجزاء من الله، ولذلك ربطت الآية مفهوم الأسوة الحسنة برجاء الله واليوم الآخر .

واليوم الآخر له مكانته المهمة في حياة الإنسان المؤمن، فهو يعتبر أن حياته الدنيا وما فيها من عمل وتضحيات هي طريقه إلى اليوم الآخر ، وهو يرجو رحمة الله ويخشى عذابه ويعتبر أن طريقه لرضاء الله والفوز بالجنة والنجاة من النار هو في التأسي برسول الله -ﷺ- التعليم والأسوة الحسنة، ورسول الله -ﷺ- بعثه الله معلمًا للبشرية.

فعن عبد الله بن عمرو، قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم ، فدخل المسجد، فإذا هو برجلين، أحدهما يقرأ القرآن الكريم، ويدعو الله، والآخر يعلّم الناس  فقال النبي -ﷺ- كلاهما على خير، وإنما بعثت معلمًا. 

لذلك فإن الاقتداء برسول الله –ﷺ- يعني أن ينطلق المسلم ليعلم الناس وينقل لهم المعرفة، فتلك وظيفة حضارية يجب أن يقوم بها المسلم ، ومن حق المسلم أن يتعلم ، وأن توفر له الدولة الفرص ليتعلم لكي يقوم بوظيفته في التعليم ونقل المعرفة ، وهذا هو أساس مجتمع المعرفة ، وتأهيل قيادات المعرفة.

كيف نطور نظرية التعليم في ضوء مفهوم الأسوة الحسنة ؟

تطوير نظرية للتعليم في ضوء مفهوم الأسوة الحسنة يعني أن ننتقل من التعليم بوصفه مجرد عملية نقل للمعلومات، إلى كونه مشروعًا لبناء الإنسان الذي يبني الحضارة بالمبادئ والمعرفة والقيم  والأخلاق الإسلامية من خلال القدوة العملية. 

ويمكن صياغة ملامح هذه النظرية على النحو التالي:

القرآن هو الأساس للمعرفة التي تقوم عليها الحضارة وبناء المجتمعات:  

فالقرآن الكريم هو مصدر المعرفة وهي نعمة من الله سبحانه وتعالي، وعندما ننقل المعرفة للآخرين يجب أن نتأسي بالرسول ﷺ، فهو الذي بني أول مجتمع معرفة في التاريخ في المدينة المنورة ، لذلك فإن ربط التعليم بمفهوم الأسوة الحسنة يفتح لنا آفاقا جديدة لإعادة بناء مجتمع المعرفة،كما أنه يربط المعرفة بالأخلاق والقيم.

وبالرغم من أن مجتمع المعرفة يحتاج إلي دراسات جديدة معمقة بمقاربات متنوعة لتحديد الأسس والنظريات التي يقوم عليها هذا المجتمع الذي يمكن أن يشكل نهضة حضارية وعلمية واقتصادية .. فإننا في هذه الدراسة سنكتفي بالإشارة إلي أن مجتمع المعرفة الإسلامي يتميز عن مجتمع المعلومات الغربي ، فمجتمع المعلومات يرتبط بالاقتصاد والمال والبنوك والتسويق والعمال، في حين يقوم مجتمع المعرفة على الرؤية الإسلامية للكون والحياة والحضارة والإنسان ، ويربط المعرفة بالتوحيد والإيمان والحكمة والأمة والمصالح العامة.

ويتميز مجتمع المعرفة الإسلامي بأصالة المصادر التي يستقي منها المعرفة وينتج المعرفة في ضوئها ويحدد صلاحيتها وقيمتها ، وهذه المصادر هي :

القرآن الكريم: وهو الأساس الذي تقوم عليه الحضارة الإسلامية ، وبه قامت الأمة ، وهو أساس الإيمان و العلم النافع ، والحكمة والرشد ، وهو  الذي أنعم  الله به على هذه الأمة ، وتكفل بحفظه، وهو كلام الله ورسالته الخاتمة إلي الإنسانية. 

السنة النبوية وسيرة الرسول الكريم -ﷺ- وهي توضح تطبيق المبادئ والأحكام، وتشكل الأساس لبناء المجتمع، ويرتبط الكثير من العلوم بهذين المصدرين ، وينطلق المسلمون منهما لتطوير الكثير من العلوم ، ومن أهمها ما يتعلق بالدين،  وما يتصل به من علوم اللغة العربية ، ومختلف التخصصات العلمية التي تتوافق مع مصالح الأمة وعقيدتها، وإقامة العمران وبناء الحضارة والاهتمام بصحة الإنسان وحقوقه وحمايته، وكل ما ينتجه المسلمون من علوم وتجارب تاريخية تستهدف تحقيق قوة الأمة. 

وقد حاول علماء المسلمين ترتيب العلوم حسب أهميتها ؛ فعدُّوا أعلاها العلوم الشرعية؛ من قراءات وتفسير وحديث وفقه وأصوله ثم علوم اللغة العربية وآدابها،  وقد رتبوها إلى علوم شرعية وعلوم أخرى تخدمها وتوضحها. وفي هذا المجال ذهب الإمام الماوردي المتوفى 405هـ/1058م إلى أن أفضل العلوم هي علوم الدين، إذ قال: إن لم يكن إلى معرفة جميع العلوم سبيل وجب صرف الاهتمام إلى معرفة أهمها، والعناية بأولها، وأفضلها، وأولى العلوم وأفضلها علم الدين، لأن الناس بمعرفته يرشدون.

ونحن نتفق مع هذا الرأي لكننا نضيف إليه أن العلماء والباحثين المسلمين يجب أن ينطلقوا من الوعي بالعلوم الشرعية للإنتاج العلمي في كل المجالات ، فعلوم الدين ترشد المسار والمنهج، كما أشار المواردي ، والقرآن الكريم يفتح الآفاق لبناء حضارة الإسلام ، كما أن المعرفة الإسلامية ترتبط بمنظومة الأخلاق الإسلامية ومن أهمها الصدق وتحري الحقيقة والدفاع عن الحق واحترام الكرامة الإنسانية.

وما يهمنا هنا هو أن مفهوم الأسوة الحسنة برسول الله -ﷺ- يشكل الرشد والحكمة لكل العلماء الذين يقومون بإنتاج المعرفة ونقلها للناس ، وهم يقومون بنقل المعرفة التي تنفع الناس وتحقق مقاصد الشريعة وتحترم الكرامة الإنسانية 

والعالم يحتاج الآن إلي بناء نظرية إسلامية للمعرفة تشكل أساسا لبناء الحضارة الإسلامية التي تشتد حاجة البشرية لها ، ودراسة سيرة الرسول صلي الله عليه وسلم ستفتح لنا آفاقا جديدة لبناء النظرية ، لكننا سنتوسع في شرح هذه النظرية في دراسة قادمة . 

  إن النبي -ﷺ- كان "خلقه القرآن " وبعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق، وهذا يجعل التعليم في المنظور الإسلامي عملية بناء للشخصية الحضارية القيادية الذي ينقل المعرفة للبشرية ويقدم لها نموذجا للسلوك الإسلامي. 

أركان نظرية التعليم بالأسوة الحسنة 

المعلم القدوة

فدور المعلم هو أن يكون قائدًا للمعرفة ، ويبرهن على الالتزام بالقيم في حياته اليومية مثل: (الصدق، الأمانة، العدل، الرحمة).. فتلك قيم ترتبط بالمعرفة وتزيد قيمتها ومصداقيتها .

والمعلّم الذي لا يقتدي برسول الله -ﷺ- ولا يتأسى به لا يمكن أن يكون قدوة لطلابه، ولا يسهم في بناء شخصياتهم القيادية.   

المتعلم الذي يقتدي بمعلمه الذي يتأسى برسول الله ﷺ:

فالمتعلم في النظام التعليمي الإسلامي لا ينظر للمعلم باعتباره مصدر معلومات، بل  يعتبره نموذجًا حيًّا للسلوك والمعرفة.

وعملية التعلم هنا ليست عقلية فحسب، بل وجدانية وسلوكية.

دور القيم في بناء المضمون التعليمي  

إن التعليم الاسلامي لا يقتصر على المهارات ، بل يتضمن بناء الضمير الأخلاقي، وكل علم يجب أن يرتبط بمقاصد عليا: العدل، عمارة الأرض، خدمة الناس وبناء الحضارة والدفاع عن الحق .

القدوة في البيئة التربوية

فكيف يمكن تحويل المؤسسة التعليمية إلى "مجتمع قدوة"، حيث يسود فيها الصدق، النزاهة، والعدل.

 ويتم فيها معايشة القيم جماعيًا، فينعكس ذلك على سلوك الطلاب.

كما أن الأمة التي تتبع رسول الله -ﷺ- وتقتدي به تستحق أن تكون قدوة للإنسانية وبانية للحضارة. 

في ضوء ذلك يمكن أن نحدد المبادئ التالية لتطوير التعليم القائم على مفهوم الأسوة الحسنة ، والذي يتخذ رسول الله -ﷺ- قدوة في التعليم.

1-التعليم بالفعل والسلوك والإلتزام بالأخلاق الإسلامية في نقل المعرفة ، وهو تعليم يستهدف بناء الشخصية.   

2-التعليم بالقصص وأفضل القصص هي سيرة الرسول ﷺ ، واستخدام النماذج التاريخية.

3-بذلك يمكن تخريج قادة مصلحين ومفكرين ومعلمين وبناة حضارة لا مجرد موظفين. 

القيادة التعليمية والتربوية في ضوء مفهوم الأسوة الحسنة

إعادة بناء مفهوم القيادة التربوية على أساس الأسوة الحسنة يمكن أن يفتح لنا آفاقا جديدة لتطوير وظيفة المعلم في المدارس والجامعات ؛ فالقيادة التربوية في الفكر الغربي تركّز  على الإدارة المدرسية، وتحسين الأداء، وجودة التعليم، وتمكين المعلمين.

أما القيادة التربوية في المنظور الإسلامي

فتُبنى على "القدوة" باعتبار أن المعلم أو المدير أو القائد التربوي هو نموذج حي للقيم، وهو يتأسى  بالنبي -ﷺ- الذي كان قائدًا ومعلمًا في الوقت نفسه.

كما أن مفهوم الأسوة الحسنة  يؤسس لمبدأ أن القيادة ليست مجرد أوامر وتنظيمات، بل تجسيد عملي للقيم في حياة القائد.

ملامح القيادة التربوية على أساس مفهوم الأسوة الحسنة

1-المعلم والقائد التربوي كقدوة

حيث يجب أن يكون القائد التربوي أول من يطبق القيم: الصدق، الشفافية، الرحمة، العدل.

إن ما يفتقده التعليم الحديث هو "النموذج الأخلاقي"، وبناء الشخصية الحضارية ، ومفهوم الأسوة الحسنة برسول الله -ﷺ- يشكل أساسًا لتطوير هذا النموذج. 

2- التأثير السلوكي قبل التأثير الإداري

فالقائد التربوي يزرع السلوك والقيم عبر ممارسته اليومية، ولا يعتمد على تطبيق  اللوائح والقوانين  فقط ففي الكثير من الأحيان تتعارض هذه اللوائح مع القيم خاصة الرحمة والإنسانية والتعاطف .

وهذا يميز بين "قائد يطاع لأنه إداري" و"قائد يحتذى به لأنه قدوة". 

3- القيادة بالرحمة والتيسير

فالتربية الإسلامية تقوم على تسهيل التعلم، ورفع المشقة، والرفق بالمتعلمين ، وتأسي المعلم برسول الله -ﷺ- يفتح لنا مجالات لبناء نموذج حضاري إسلامي للتعليم.

4- ترابط القول والفعل

من أهم عناصر الأسوة الحسنة أن يكون ما يقوله القائد مطابقًا لفعله.

فهذا يخلق الثقة والولاء والالتزام داخل المؤسسة التعليمية.

الخاتمة

يشكل مفهوم الأسوة الحسنة نموذجا للمفاهيم القرآنية التي تفتح آفاقا جديدة لتطوير نظريات يقوم عليها مشروع النهضة ومجتمع المعرفة ، فهذا المفهوم يوجهنا للاستفادة من سيرة الرسول -ﷺ-  في بناء قوة الأمة ، وعندما يكون الرسول -ﷺ- هو قدوتنا فإننا نستطيع أن نعيد بناء الحضارة الإسلامية.

والشخصية الإسلامية التي تلتزم بالقيم والأخلاق وتدرك وظيفتها ودورها التاريخي هي التي تستطيع أن تحقق الانتصارات، فالمفهوم يقدم صورة مضيئة للجماعة المسلمة التي صمدت مع رسول الله -ﷺ- واقتدت به في عملها وسلوكها لأنها ترجو الله وتتطلع إلى رضاه، وعندما بذلت الجماعة المسلمة كل جهدها جاء نصر الله.

لكن يظل هذا المفهوم يعمل في حياتنا ، فيبني قوة الفرد المؤمن الذي يتأسى برسول الله -ﷺ- ويقتدي به، فتصبح صورته مضيئة كصورة الجماعة المؤمنة التي صمدت مع رسول الله .. كما يبني المفهوم قوة الأمة ؛ فالأمة التي تقتدي برسول الله -ﷺ- تستحق أن تقتدي بها الأمم، وتصبح أكثر قوة عندما تتمسك بسيرته وتطبق سنته وتلتزم بأخلاقه؛ فهو المثل الأعلى للإنسانية. 

في ضوء ذلك فإن هذا المفهوم الذي يتميز بالثراء يمكن أن يسهم في بناء نظرية إسلامية للقيادة وفي تطوير النظام التعليمي الذي يجب أن يقوم على نظرية جديدة للقيادة التربوية.

وبناءً عليه فإننا يمكن أن نعمل لتحقيق الأهداف التالية :

1-دراسة سيرة الرسول الكريم -ﷺ- لتحويلها إلى مصدر لقوة الأمة ، وتوظيفها في بناء الحضارة، وتطوير الكثير من العلوم ومن أهمها علوم القيادة والتربية والتعليم.

2-توظيف سيرة الرسول الكريم -ﷺ- في بناء الشخصية الإسلامية ، بأن يكون الرسول هو الأسوة الحسنة ، وبذلك تصبح الشخصية المسلمة أكثر قدرة على القيادة والتعليم ونقل المعرفة .

3-تطوير عملية إعداد القادة وتدريبهم في ضوء هذا المفهوم بأن يكون الرسول -ﷺ- هو المثل الأعلى للقائد، وأن يلتزم القائد بالأخلاقيات الإسلامية التي تميزه عن القادة الآخرين.

4-تطوير عملية تأهيل المدرسين وتدريبهم ليصبحوا قادة تربويين يلتزمون في سلوكهم بالأخلاقيات الإسلامية ليسهموا في بناء مجتمع المعرفة ، وتأهيل الطلاب ليصبحوا قادة وعلماء، وهذا يشكل تطويرًا للنظام التعليمي ليشكل أساسا لنهضة الأمة.

5- تشجيع العلماء على دراسة سيرة الرسول ﷺ ، واكتشاف المفاهيم التي تقوم عليها الحضارة الإسلامية وتوظيفها في بناء المستقبل.

6- إن جماعة الإخوان المسلمين تستطيع أن تقوم بدور تاريخي في  بناء الأسس العلمية والنظريات التي يقوم عليها المشروع الحضاري الإسلامي الذي يحرر الأمة من التبعية والاستعمار الثقافي الغربي .

7-وبهذه المفاهيم والنظريات يمكن إعداد القيادات التي تثق الجماهير في صدقها في التأسي برسول الله -ﷺ- والالتزام بمنظومة الأخلاقيات الإسلامية. 

.

د. سليمان صالح

أستاذ الصحافة والاعلام الدولي بكلية الاعلام جامعة القاهرة، رئيس قسم الصحافة السابق بكلية الاعلام جامعة القاهرة، مفكر إسلامي

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم