كثير من المربين يحبون طلابهم حبًّا صادقًا، لكن هذا الحب يبقى محبوسًا في الصدر. فلا يسمعه الطالب، ولا يعرف أن أستاذه يفرح به ويدعو له. وربما رأى فيه صرامة وحسب. وفي السنة النبوية عناية خاصة بإظهار المحبة، تستحق أن يقف عندها كل مربٍّ.
"أعلمتَه؟"
يروي أنس رضي الله عنه أن رجلًا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فمرّ رجل، فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا. فقال له النبي ﷺ: "أعلمتَه؟" قال: لا. قال: "أعلِمْه." فلحقه فقال: إني أحبك في الله. فقال: "أحبك الذي أحببتني له." (رواه أبو داود بإسناد صحيح).
لاحظ أن النبي -ﷺ- لم يكتفِ بالتهنئة على الحب، بل سأل عن الإعلام. وكأن الحب الذي لا يُعلَن ناقص الأثر.
وجاء في الحديث الآخر كما أورده الملف: "إذا أحب أحدكم أخاه في الله فليعلمه، فإنه أبقى في الألفة، وأثبت في المودة." (حسن، صحيح الجامع 280). وفي رواية: "إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله، فليخبره أنه يحبه لله." (رواه أحمد، صحيح الجامع 281). وفي ثالثة: "إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه، فإنه يجد له مثل الذي عنده." (السلسلة الصحيحة 1/947).
والفوائد الثلاث واضحة: أبقى في الألفة، وأثبت في المودة، ويجد له مثل ما عنده. فالإعلام يجعل الحب متبادلًا، ويثبّت العلاقة، ويرد المحبة بمثلها.
معاذ بن جبل وأبو إدريس الخولاني
يذكر الملف عن أبي إدريس الخولاني رحمه الله أنه دخل مسجد دمشق، فإذا فتى براق الثنايا والناس حوله، إذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه، فسأل عنه فقيل: هذا معاذ بن جبل رضي الله عنه. قال: فلما كان الغد بكّرت فوجدته قد سبقني، ووجدته يصلي، فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك لله! فقال: آلله؟ فقلت: آلله. فقال: آلله؟ فقلت: آلله. فأخذ بحُبوة ردائي فجذبني إليه وقال: أبشر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تبارك وتعالى: "وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ." (حديث صحيح رواه مالك في الموطأ).
وتأمل أن معاذًا، وهو من أعلم الصحابة، لم يرد على كلمة الحب بمجاملة، بل بتثبّت واستبشار، ثم بجذبه إليه وتبشيره بحديث نبوي. فكانت كلمة صغيرة جلبت بشارة عظيمة.
أربع طرق عملية للمربي
1) قلها بوضوح ومرة بعد مرة. "أنا أحبك في الله." "أفرح بك." "أدعو لك." وتحاشَ العبارات الغامضة التي يفهمها الطالب على أنها مجاملة.
2) قلها في الوقت المناسب. حين ينجز، أو حين يخطئ ثم يتوب، أو حين تفترقان لسفر. فالعبارة وسط الجفاء أثرها أعمق.
3) أتبعها بعمل. يقول الملف إن من أسباب الألفة الاتصال والاطمئنان، وخاصة في غير المناسبات التقليدية. وهو يضرب مثلًا برسالة في ليلة القدر نصها: "تذكرتُ أحبابي فتذكرتك فدعوت الله أن يغفر لنا." فاكتب لطالبك رسالة قصيرة، أو اسأل عنه إن غاب.
4) لا تجعل الحب مقابل الأداء. قد يتعثر الطالب ويخطئ، وتبقى محبتك له. فالمحبة في الله لا تُسحب بسبب النتائج الدراسية.
ما يحذر منه المربي
- ألا تكون العبارة وسيلة للتمييز. فلا تقل لطالب دون آخر.
- ألا تُقال بغير صدق. فالكذب في المحبة يهدم الثقة.
- ألا يُنسى مقصدها. فهي "في الله" و"لله"، لا للتعلّق الشخصي.
خاتمة
سأل النبي -ﷺ- ذلك الرجل: أعلمتَه؟ فسؤاله ما زال يتردد لكل مربٍّ: هل أعلمتَ طلابك أنك تحبهم لله؟ فإن لم تفعل، فابدأ اليوم، ثم انتظر ما وعد الله: "وجبت محبتي للمتحابين فيّ."
اقرأ أيضًا: هل الحياء ضعف؟ حين نعارض الحديث بما قرأناه
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.