مقالات تربوية

المربي

تربية الأبناء على القيم من خلال سورة لقمان (3) صناعة الوعي لدى الناشئة في ضوء منهج لقمان في التربية

تربية الأبناء على القيم من خلال سورة لقمان (3) صناعة الوعي لدى الناشئة في ضوء منهج لقمان في التربية

المقال الثالث في سلسلة تربية الأبناء على القيم من خلال سورة لقمان: 

صناعة الوعي لدى الناشئة في ضوء منهج لقمان في التربية

المقدمة:

تشكل صناعة الوعي واحدة من أعظم المهارات التربوية التي يحتاجها الأبناء في زمن الانفجار المعرفي واختلاط الأفكار وتعدد مصادر التأثير. ولم يقدّم القرآن الكريم نموذجًا تربويًا مُحكمًا في بناء الوعي كما قدّمه في قصة لقمان الحكيم مع ابنه؛ ذلك المنهج المتدرّج، العميق، القائم على الإقناع والتوجيه والتهذيب، وليس على القهر أو الإكراه أو التلقين الجاف.

فالوعي الحقيقي –كما يرسّخه لقمان– ليس حفظ معلومات، بل قدرة على الفهم، التمييز، اتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية. وهنا تتجلى عبقرية المنهج التربوي القرآني الذي يسبق كل المناهج التربوية الحديثة.

أولًا: مفهوم الوعي في المنظور القرآني:

يرتبط الوعي في القرآن الكريم ارتباطًا وثيقًا بالبصيرة والفهم والقدرة على إدراك الحقائق كما هي.

قال تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108].

والبصيرة هي أعلى درجات الوعي، لأنها تجمع بين الإدراك العقلي، والتوجيه الأخلاقي، والإيمان.

ومن هنا فإن صناعة الوعي ليست مجرد تثقيف، بل غرس منظومة قيمية تحصّن الأبناء من الانحرافات الفكرية، والسلوكية.

ثانيًا: منهج لقمان في صناعة الوعي (تحليل تربوي):

1. التأسيس العقدي قبل السلوكي:

أول وصية من لقمان لابنه كانت:

﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾[لقمان: 13].

هذا يؤكد أن الوعي يبدأ بالهوية الإيمانية قبل أي مهارات حياتية.

فالطفل الذي يعرف مَنْ هو؟ ولماذا خُلق؟ وما رسالته؟

لن تضل خطواته في الحياة، ولن تنجرف شخصيته مع التيارات مهما تنوعت.

2. ترسيخ قيمة المراقبة الإلهية (الوعي بالذات):

قال تعالى: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ… يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾[لقمان: 16].

هذه الآية تقيم في قلب الابن رادعًا ذاتيًا، وهو أساس الوعي السلوكي.

فالرقابة الذاتية أعمق من الرقابة الخارجية؛ لأنها تنشئ شخصية مستقلة، قادرة على اتخاذ القرار دون خوف من البشر.

3. الربط بين السلوك، والآثار – وعي السبب والنتيجة:

يتدرج لقمان في نصائحه ليُشعر ابنه أن كل سلوك له أثر:

الصلاة تُنمي شخصية منضبطة: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾.

الأمر بالمعروف يعمّق المسؤولية الاجتماعية: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

الصبر يصنع الثبات: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾.

هذا المنهج يجعل الابن واعيًا بدوره في المجتمع، وبعواقب أفعاله.

4. الوعي بالعلاقات الإنسانية – التوازن في التعامل:

قال تعالى:﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ… وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾[لقمان:18– 19].

هذه الوصايا تصنع ذكاءً اجتماعيًا لدى الناشئة:

تواضع بلا ضعف

قوة بلا تكبر

ثبات بلا عنف

هدوء بلا خنوع.

5. الوعي الصوتي والسلوكي (السيطرة على الانفعالات):

قال تعالى:﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾.

هذه وصية تربوية معاصرة، تعادل ما تسميه العلوم الحديثة "تنظيم الانفعال" و"الذكاء العاطفي".

فالابن الذي يملك لسانه وانفعالاته، يملك وعيه، وبالتالي يملك مستقبله.

ثالثًا: قواعد تربوية عملية مستنبطة من منهج لقمان:

1. الحوار أساس بناء الوعي:

جميع وصايا لقمان جاءت بصيغة حوارية: ﴿يَا بُنَيَّ﴾.

وهذا يؤكد أن لغة الحب والاحتواء مقدمة على أسلوب الأمر المباشر.

2. التدرج في التعليم:

بدأ لقمان بالعقيدة، ثم السلوك التعبدي، ثم العلاقات، ثم الانفعالات.

وهذا منهج تربوي علمي يؤكد:

لا يمكن بناء وعي مستقيم على أساس معرفي مضطرب.

3. القدوة العملية:

منهج لقمان قائم على الحكمة، ومن الحكمة أن يكون المربي قدوة في سلوكه.

فالوعي يُكتسب بالمشاهدة أكثر من السماع.

4. ربط الأبناء بالثوابت:

غرس الثوابت العقدية والقيمية يحمي الأبناء من التشتت في زمن المتغيرات المتسارعة.

5. ترسيخ مهارات التفكير الناقد:

من خلال ربط السلوك بآثاره، وتنبيه الابن أن الله مطّلع عليه، يشعر الناشئ بالمسؤولية، ويصبح قادرًا على تقييم المواقف واتخاذ القرارات السليمة.

رابعًا: تطبيقات عملية للآباء والمربين:

1. جلسات حوار أسبوعية مع الأبناء حول قيم سورة لقمان.

2. استخدام قصص قصيرة وأمثلة واقعية لشرح معنى الرقابة الذاتية.

3. تدريب الأبناء على اتخاذ قرار ثم مناقشة أثره الإيجابي أو السلبي.

4. غرس عادة كتابة اليوميات لاكتشاف الذات، وتنمية الوعي.

5. مراقبة نبرة الصوت أثناء الحوار وغرس قيمة هدوء النفس.

6. تعليم الأبناء أن يكونوا أصحاب موقف في الخير، لا مجرد متابعين للآخرين.

7. تشجيعهم على المشاركة المجتمعية التي تنمّي الإحساس بالمسؤولية.

الخاتمة:

يقدم القرآن الكريم في سورة لقمان منهجًا ربانيًا متكاملاً في صناعة الوعي لدى الناشئة، منهجًا يجمع بين الإيمان، والتربية الأخلاقية، وتنظيم السلوك، وتزكية النفس، والذكاء الاجتماعي.

ومتى التزم الآباء والمربون بهذا المنهج القرآني الفريد، نشأت أجيال واعية، ثابتة، متوازنة، قادرة على مواجهة التحديات، وصناعة مستقبل الأمة.

.

د. عيد كامل حافظ النوقي

داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم