المربي

المربي

الإتقان والثبات: صفتان لا يستغني عنهما مربٍّ

الإتقان والثبات: صفتان لا يستغني عنهما مربٍّ

يظنّ بعض الناس أن الإقبال على العبادة قد يصرف صاحبه عن إتقان عمله، أو يُضعف عزيمته أمام مشاقّ الحياة. والقرآن يعلّمنا أن العبادة الصادقة تصنع عكس ذلك تمامًا: إنسانًا متقنًا لعمله، ثابتًا أمام الصعاب، وفيًّا لمن أحسن إليه. وهذه صفاتٌ لا يستغني عنها مربٍّ؛ لأن رسالته طويلة شاقّة، لا يصبر عليها إلا من جمعها.

 

أولًا: الإتقان

عابد الله قائمٌ بواجبه على الوجه الأكمل، متقنٌ لعمله؛ ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]. فالميزان ليس كثرة العمل، بل إحسانه وإتقانه. والمربي مطالبٌ بهذا قبل غيره؛ فتربية الإنسان أدقّ الأعمال وأخطرها، لا تحتمل الإهمال ولا أنصاف الجهود. فالمربي المتقن يُعدّ درسه، ويتعهّد متعلّميه فردًا فردًا، ولا يكتفي من عمله بالحدّ الأدنى؛ لأنه يعلم أنه يُبنى في النفوس ما لا يُهدم بسهولة، فالخطأ في التربية أبقى أثرًا من الخطأ في غيرها.

وإتقان المربي لعمله درسٌ صامتٌ لمتعلّميه؛ فمن رأى مربّيه يتقن، تعلّم الإتقان دون أن يُوعَظ به. فالمعلّم المهمل يُخرّج مهملين وإن أمرهم بالإتقان، والمتقن يُخرّج متقنين وإن لم يأمرهم.

 

ثانيًا: الثبات

وعابد الله ثابتٌ لا تثنيه الصعاب؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45]. والمربي أحوج الناس إلى هذا الثبات؛ فطريقه طويلٌ، وثمرته بطيئة، ونتائجه لا تظهر بين يوم وليلة. فمن لم يملك ثباتًا، يَيأس عند أوّل تعثّر، ويترك متعلّميه في منتصف الطريق. أمّا الثابت فيصبر على بطء الثمرة، ويواصل البذل وإن لم يرَ الأثر عاجلًا، موقنًا أن التربية زرعٌ لا يُحصد في موسمٍ واحد.

وثباتُ المربي يمنح متعلّميه أمانًا؛ فحين يرونه راسخًا لا يتزعزع أمام الشدائد، يتعلّمون منه الصلابة، ويثقون بأنه لن يتخلّى عنهم عند أوّل عقبة. فالمربي المتذبذب يربّي متذبذبين، والراسخ يربّي راسخين.

 

ثالثًا: الاعتراف بالفضل

وعابد الله مقرٌّ بالفضل لأهله، لا يتنكّر لمن أحسن إليه؛ فقد عاب القرآن على من نسي فضل من أحسن إليه: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 74]. والمربي الكريم يعترف بفضل من علّموه، ويذكر لمن سبقوه جميلهم، ولا ينسب الفضل كلّه لنفسه. وهذا الاعتراف يربّي في متعلّميه خُلق الوفاء؛ فحين يرون مربّيهم يذكر أساتذته بالخير، يتعلّمون أن يذكروه هو بالخير، وأن يحفظوا الجميل لأهله. أمّا الجاحد لفضل من سبقه، فيربّي جيلًا يجحد فضله هو من بعده.

 

هذه الصفات زادُ الطريق

وليست هذه الصفات ترفًا يتزيّن به المربي، بل هي زادٌ يعينه على طريقٍ طويلٍ شاقّ؛ فالإتقان يحفظ عمله من الفساد، والثبات يحفظه من اليأس، والوفاء يحفظ علاقاته من التنكّر. ومن جمعها، قدر على حمل رسالته إلى آخر الطريق؛ ومن فقدها، تعثّر مهما حسنت نيّته.

 

خاتمة

إن أردت أن تبقى في طريق التربية إلى نهايته، فتزوّد بهذه الصفات الثلاث: أتقن عملك فلا تُهمل، واثبت أمام الصعاب فلا تيأس، واحفظ الجميل لأهله فلا تجحد. فالعبادة الصادقة تصنع منك هذا النموذج؛ متقنًا ثابتًا وفيًّا، تربّي بحالك قبل مقالك، فيتعلّم منك متعلّموك ما لا تعلّمه لهم الكلمات.

 

 

اقرأ أيضًا: العابد كما يصوره القرآن ليس منعزلًا

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم