مقالات تربوية

كيف يستيقظ القلب من غفلته؟

كيف يستيقظ القلب من غفلته؟

قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 205]. والغفلة ليست مجرّد نسيان، بل هي انصراف القلب عن الله، وانشغال النفس بالدنيا حتى يصبح ذكر الله ثقيلًا، والطاعة مؤجَّلة، والمعصية مألوفة. الغفلة أن يعيش الإنسان بعيدًا عن مراقبة الله، فلا يتفكّر في نعم الله، ولا في الموت، ولا في الآخرة، ولا يحاسب نفسه.

وقد وصفها ابن القيم رحمه الله بأدقّ وصف: "الغفلة نوم القلب، فإذا استيقظ بالذكر أبصر الحقائق". فهي نومٌ لا موت؛ ولذلك يبقى الرجاء في اليقظة ما دام في العمر بقيّة. لكنّ خطرها أنها تطول حتى تهلك؛ قال الحسن البصري رحمه الله: "ما زال التغافل بالعبد حتى هلك، وإنما هلك من هلك بالغفلة".

 

الغفلة لا تأتي دفعة واحدة

وأخطر ما في الغفلة أنها لا تبدأ بمعصيةٍ كبيرة تفزع لها النفس، بل تبدأ صغيرة هادئة: ذكرٌ يُترك، ووردٌ يُؤجَّل، ومحاسبةٌ تُنسى، وقلبٌ يتوقّف عن الانتباه. ثم تتراكم هذه الصغائر حتى يصبح ما كان يوجع القلب لا يحرّكه، وما كان يستحيي منه مألوفًا. فهي انحدارٌ بطيء لا يشعر صاحبه بخطواته، حتى يجد نفسه بعيدًا وهو لا يدري متى بدأ الابتعاد.

ولهذا كانت الغفلة بداية كلّ انحراف عن طريق الله؛ فما وقع منحرفٌ في كبيرةٍ إلا وسبقتها غفلةٌ مهّدت الطريق، وأخمدت صوت الضمير، وجعلت المنكر مألوفًا.

 

علاماتٌ تكشف غفلة القلب

انظر في هذه العلامات، فهي مرآة: أن يثقل عليك ذكر الله ويخفّ عليك الكلام في كلّ شيءٍ سواه؛ وأن تؤجّل التوبة والطاعة إلى "غد" الذي لا يأتي؛ وأن تمرّ بك النعم فلا تتفكّر فيها ولا تشكرها؛ وأن يمرّ بك الموت في غيرك فلا يوقظك؛ وأن تنقضي أيامك بلا محاسبةٍ لنفسك؛ وأن تجد قلبك لا يتأثّر بآيةٍ ولا موعظة. فإذا وجدت هذه فيك، فاعلم أن قلبك نائم يحتاج من يوقظه.

 

طريق اليقظة

الذكر أوّلًا؛ فقد جعله ابن القيم رحمه الله سبب اليقظة: "فإذا استيقظ بالذكر أبصر الحقائق". فالذكر يوقظ القلب كما يوقظ الماء البارد الوجه النائم؛ فابدأ بوردٍ ثابت ولو قليلًا، فالقليل الدائم يوقظ ما لا توقظه النوبات المتقطّعة.

ثم المحاسبة؛ فالغفلة تعيش في غياب المراجعة. فاجعل لك وقفةً في يومك: ماذا قدّمتُ؟ وأين قصّرتُ؟ فمن حاسب نفسه لم تطل غفلته.

ثم تذكّر الآخرة والموت؛ فهما أعظم موقظ. وقد كانت هذه الذكرى تنغّص على الصالحين لذّاتهم فتردّهم إلى الجادّة؛ فمن استحضر أنه راحلٌ ومسؤول، خفّت عليه الطاعة وثقلت عليه المعصية.

ثم الصحبة اليقظة؛ فالقلوب تتأثّر بمجالسها؛ ومن جالس الغافلين غفل، ومن جالس المتيقّظين تنبّه. فاطلب صحبةً تذكّرك بالله إذا نسيت، وتوقظك إذا نمت.

ثم تعاهد القرآن؛ فهو الذي يخاطب القلب مباشرة، ويهزّ ما ركد فيه. واقرأه بتدبّر لا بعجلة؛ فآيةٌ تُفهم أنفع من جزءٍ يُهذّ.

 

خاتمة

الغفلة نوم القلب لا موته؛ وما دام في العمر بقيّة فالطريق مفتوح. فلا تنتظر حتى تطول غفلتك فتألف قلبك ما كان يُنكره؛ أيقظه اليوم بذكرٍ ومحاسبةٍ وتذكّرٍ للآخرة وصحبةٍ صالحةٍ وقرآنٍ يُتدبَّر. فإنّ الذي يوقظ القلوب لا يزال يفتح بابه لمن طرق، وإنما هلك من هلك بالغفلة.

 

اقرأ أيضًا: قوّة العفو عند المقدرة: كيف يتعامل المربي مع مَنْ أساء إليه؟

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم