يخرج الأب إلى عمله كل صباح، وتخرج معه حاجات البيت: الإيجار والطعام والمدارس والفواتير. وفي كثير من البيوت تكون آخر عبارة تُقال عند الباب عن الوقت أو المصروف أو "لا تتأخر". غير أن ملف "اجعلوا بيوتكم قبلة" يذكر عبارة أخرى مأثورة عن الزوجة الصالحة عند توديع زوجها.
عبارة الوداع
"حيث كان القول المأثور للزوجة الصالحة وهي تودع زوجها أول النهار: اتقِ الله ولا تطعمنا إلا من حلال، فإنا نصبر على الجوع، ولا نصبر على النار."
في الجملة أمران:
- أنها تضع التقوى قبل المال. لا تقول له: "اجلب لنا أكثر"، بل: "اتقِ الله".
- أنها تحدد ما لا تحتمله. إنها تحتمل الجوع، ولا تحتمل أن يُشترى شبعها بحرام.
وهذا ميزان يعدل ميزان كثير من البيوت. فالأسرة التي تنفق على نفسها فوق طاقة دخلها الحلال تدفع الأب دفعًا إلى الشبهات، وهو يظن أنه يرضيها. أما بيت يقول بوضوح "نصبر ولا نأكل حرامًا" فإنه يرفع عن الأب ثقل الحاجة التي تدفعه إلى التنازل.
وماذا في المساء؟
ويتابع الملف: إن الزوجة "تبادره عند استقبالها إياه آخر النهار بقولها: ماذا نزل اليوم من الحق؟" ثم يعلّق: "يا الله، أين واقع الناس الآن من هذه الآفاق المشرقة؟"
وسياق الفقرة في الملف هو سموّ اهتمامات البيت: تقوى الله والتلاوة والتزكية والتعليم. فسؤال المساء ليس عن الأجرة التي حملها الزوج، بل عن الحق الذي تلقّاه أو تعلّمه.
فصباحًا: سؤال عن مصدر الرزق. ومساءً: سؤال عن غذاء الروح. وبين السؤالين يقوم بيت ينشغل بما يبقى.
الحلال في القرآن والسنة
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172]. وقال النبي ﷺ: "أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا" (رواه مسلم). فالحلال شرط لطيب الطعام وقبول العمل، وليس تفصيلًا ثانويًا.
أربع عادات يمكن أن يبدأ بها البيت
1) قولوا العبارة بصيغتها الخاصة. لا يلزم أن تكون الألفاظ نفسها، لكن لتكن في البيت جملة واضحة تقول: "نريدك حلالًا قبل أن نريدك غنيًّا."
2) ناقشوا حدود الإنفاق. حين يعرف البيت دخله الحلال ويضبط عليه إنفاقه، يقلّ ضغط الأب على نفسه، ويقلّ طلب ما لا يُطاق.
3) علّموا الأبناء أن البركة قبل الكثرة. إذا طلب الطفل ما لا نستطيعه قلنا له: "نشتريه إن يسّر الله من حلالنا، وإلا صبرنا." فيتعلم الصبر على الحرمان بدل الاستدانة والتحايل.
4) اجعلوا لسؤال المساء مكانًا في البيت. بدل "ماذا حدث اليوم؟" فقط، اسألوا: "ماذا تعلّمنا اليوم؟ ما الآية أو الحديث أو المعلومة النافعة؟" ولو جملة واحدة على مائدة العشاء.
ما نحذر منه
- أن تصير العبارة سلاحًا في الخلاف. تُقال من باب الحرص والإعانة، لا الاتهام.
- أن نفرض على الأب ضغطًا ثم نطلب منه الورع. فالتقوى مشروع مشترك لا يحمله وحده.
- أن نسأل عن الحلال في الدخل وننسى الحلال في الإنفاق. فللمال مصدر وله مصرف.
خاتمة
ربما كانت أعظم هدية تقدّمها زوجة لزوجها عند باب البيت أن تذكّره بالله، وتخبره أن بيتها يحتمل الجوع ولا يحتمل الحرام. وربما كانت أجمل هدية يقدّمها زوج لأسرته أن يعود فيجد من يسأله عمّا تعلّم، لا عمّا جمع فقط.
اقرأ أيضًا: هل الحياء ضعف؟ حين نعارض الحديث بما قرأناه
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.