المربي

خمسة حقوق للجسد لا يهملها المربي

خمسة حقوق للجسد لا يهملها المربي

يحمل المربي همَّ الناس: برامج يعدّها، ولقاءات يحضرها، وأسئلة يجيب عنها، وأوقاتًا يمدّها ما استطاع. ثم يصل في آخر الطريق إلى جسدٍ منهك ونفسٍ ضيّقة، فيظنّ ذلك ثمنًا طبيعيًّا للرسالة، وربما حسبه فضيلةً. لكنّ ميزان الإسلام أدقّ من هذا الظن: الجسد الذي تحمل به الرسالة أمانةٌ في يدك، ولا يصحّ أن يُستهلك من غير أن يُصان.

 

الجسد أساس القيام بالواجبات

الوظائف الدينية والأعمال الحيوية كلّها تحتاج إلى طاقةٍ جسدية وجهدٍ بدنيّ حتى تتم على أكمل وجهها وأحسنه. ولهذا امتدح القرآن "قوة الأجسام"، فقال سبحانه عن طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247]. فجمع في أسباب الاصطفاء بين العلم والجسم، ولم يجعل أحدهما يغني عن الآخر.

وكذلك المربي: علمٌ بلا جسدٍ يقوى على حمله يتعثّر في منتصف الطريق، وهمّةٌ عالية في بدنٍ مهمَل تنطفئ قبل أوانها.

 

"إن لجسدك عليك حقًّا"

وقد توسّعت منظومة الإسلام الحقوقية حتى شملت الأجساد نفسها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ لجسدك عليك حقًّا". وعدّ العلماء من حقوق الجسد خمسة، نذكرها وفي كل حقٍّ منها سؤالٌ يراجع به المربي نفسه:

1) أن تقوّيه إذا ضعف. هل أعطيت جسدي من الحركة والغذاء والنوم ما يقيم صلبه؟ أم أعيش على ما تبقّى من يومي؟

2) أن تنظّفه إذا اتسخ. النظافة والهيئة الحسنة جزء من احترام المربي لنفسه ولمن يجالسهم، فالمتربّي ينظر إلى مربّيه قبل أن يسمع منه.

3) أن تريحه إذا تعب. الراحة المنظّمة ليست تقصيرًا في الرسالة، بل شرطٌ لاستمرارها. والذي لا يعرف متى يتوقف لا يبقى طويلًا في الميدان.

4) أن تعالجه إذا مرض. فلا يؤخّر المربي علاجه تحت دعوى أن الناس تنتظره.

5) أن تقيه الأمراض قبل وقوعها ما استطعت. وهذا أرقى الحقوق وأقلّها حضورًا في بالنا: أن نأخذ بأسباب الوقاية قبل أن يفرض المرض نفسه علينا.

 

القوة طريق الأمانة والمسؤولية

يربط الإسلام دائمًا بين قوة الإيمان وقوة الأبدان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خيرٌ وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف"، وقال تعالى على لسان ابنة شعيب عليه السلام: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]؛ فجُمعت القوة والأمانة في وصفٍ واحد، فكأنّ الأمانة لا تتمّ إلا بقدرةٍ على حملها.

ويأمر الله المؤمنين: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. وضعف الأبدان أو ضعف النفوس من الصفات التي ينبغي للمسلم أن يتنزّه عنها ويُحصّل أضدادها من القوة والعزم. والأمم إنما تقوى بقوة أفرادها وتضعف بضعفهم؛ فمن أراد أن يخرج جيلًا قويًّا فليبدأ من نفسه، فهو أول من ينظر إليه الجيل.

 

ثلاث وقفات عملية للمربي

  • اجعل لجسدك موعدًا في جدولك كما تجعل لدرسك موعدًا: مشيٌ، أو رياضةٌ خفيفة، أو نومٌ مبكر. وما لا يُجدوَل لا يُنجَز.
  • علِّم بالقدوة: حين يرى متربّوك مربّيهم يعتني بجسده من غير إفراط ولا إهمال، يتعلّمون أن الدين لا يدعو إلى إنهاك النفس وإنما إلى عمارتها.
  • راجع حملك: إن وجدت جسدك يشتكي دائمًا فاسأل: هل في برنامجي ما يمكن أن يتقاسمه معي غيري؟ فالتربية عملٌ جماعي، ولا يلزم أن يحمله فردٌ واحد حتى ينكسر.

 

خاتمة

الجسد وعاءُ الرسالة؛ ومن حفظ وعاءه حفظ ما فيه. فلا تجعل عنايتك بجسدك في منافسةٍ مع رسالتك، بل اجعلها من أدواتها، فتكون قد أدّيت الحقّين معًا: حقّ الله في الأمانة، وحقّ نفسك في الصيانة.

 

 

اقرأ أيضًا: تعارف أم تناكر؟ لماذا لا تنجح التربية بلا تكريم للمتعلم

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم