يعيش العالم اليوم ثورةً تقنية غير مسبوقة يقودها الذكاء الاصطناعي، وهي ثورة تعيد تشكيل الصحة والتعليم والصناعة والحياة اليومية. والسؤال الذي يجب أن يشغل كلّ مهتمّ بمستقبل أمّته: أين موقعنا من هذه الثورة؟ صانعين أم مستهلكين؟
والجواب اليوم صريح: معظم تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدّمة تُطوَّر في أمريكا والصين وأوروبا، والعالم الإسلامي غالبًا في موقع المستهلك لا المنتج. وهذه ليست مسألة كبرياء، بل مسألة مصير؛ لأن هذا الموقع يجعلنا تابعين حضاريًّا وعاجزين عن توجيه التقنية بما يتوافق مع قيمنا.
ثمن التبعية
ولموقع الاستهلاك ثمنٌ نراه اليوم بأعيننا:
تحيّزٌ يشوّه صورتنا: فقد أثبتت دراسات أن خوارزميات وسائل التواصل ومحرّكات البحث تحمل تحيّزًا واضحًا ضدّ الإسلام والمسلمين، وأن ذلك غالبًا من البيانات التي استُخدمت في تدريبها. فالمستهلك يتلقّى ما يُصنع له، ولا يملك تصحيحه.
أدواتٌ تُستعمل ضدّنا: من بوتاتٍ ذكية تنشر الشبهات بين شبابنا على مدار الساعة بتكلفةٍ زهيدة وكفاءةٍ تفوق جيشًا من البشر، إلى تقنيات التزييف العميق التي تشوّه العلماء وتثير الفتن، إلى تطبيقاتٍ للأطفال مبرمَجة لغرس أفكار معادية للقيم.
تخلّفٌ في سوق العمل: فالذكاء الاصطناعي لا يعني نهاية العمل بل تحوّله؛ ستختفي وظائف وتُفتح أخرى، تمامًا كما اختفت الحاجة لسائقي الجمال مع اختراع السيارة فظهرت وظائف السيارات. والتحدّي الحقيقي في التأهيل السريع للوظائف الجديدة، وهنا قد تتخلّف الدول الإسلامية إن لم تستعدّ مبكرًا.
الباب مفتوح: لسنا مضطرّين للبقاء مستهلكين
والخبر السارّ أن الخروج من هذا الموقع ليس مستحيلًا ولا يحتاج مليارات؛ فثمّة نماذج لغوية مفتوحة المصدر متقدّمة يمكن تدريبها المخصّص على بيانات إسلامية: كتب التفسير والحديث والفقه والسيرة وفتاوى العلماء الموثوقين. وبينما كلّف تدريب أحد النماذج الكبرى من الصفر عشرات ملايين الدولارات، فإن تدريب نموذجٍ مفتوح متخصّص قد يكلّف بضعة آلاف فقط. فبإمكان مجموعة من المبرمجين المسلمين وبعض الخوادم القوية أن تنتج نموذجًا متخصّصًا في العلوم الإسلامية مدرَّبًا على مصادر موثوقة.
ومن أعظم ما يمكن أن يُبنى في هذا الباب "الباحث الإسلامي الذكي": أداة بحثٍ شرعية تمكّن العلماء والباحثين من البحث الدلالي، وتخريج الأحاديث مع درجاتها، والربط بين النصوص، وتحليل المخطوطات وحفظ التراث. أداةٌ لا تعطي فتاوى — فتلك للعلماء — لكنها تساعد في البحث والتعليم، وتفهم الخصوصية الإسلامية، وتشير دومًا إلى ضرورة الرجوع للعلماء.
وهذا كلّه يبدأ من التربية
فالانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج ليس قرارًا إداريًّا، بل ثمرة تربية. وأهمّ ما يُبنى في الجيل القادم:
دمج التقنية في التعليم الشرعي؛ فيتعلّم طلاب العلم كيف يستخدمون الأدوات التقنية في بحثهم بدل أن يبقوا بمعزلٍ عنها.
تعليم البرمجة؛ وتشجيع الأبناء على التخصّص في هذا المجال، فهو ميدان الصناعة لا الاستهلاك.
الموازنة؛ بتربية جيلٍ يجمع بين العلم الشرعي والمهارة التقنية؛ فالفصل بينهما هو الذي أنتج متديّنًا لا يفهم عصره، وتقنيًّا بلا مرجعية.
والوعي النقدي؛ بتعليم الناشئة التحقّق من المصادر وعدم تصديق كلّ محتوى، خاصّةً في أمور الدين.
خاتمة
الذكاء الاصطناعي أداة، والأداة تأخذ حكم استخدامها؛ إن استخدمه أهل الخير في الخير كان نعمة، وإن استخدمه أهل الشرّ في الشرّ كان نقمة. ولنا في سنن الله خير مثال: كلّ تقنيةٍ جديدة فيها خير وشرّ، والعبرة بمن يستخدمها وكيف. فلنكن من السابقين لا اللاحقين، ومن القادة لا الأتباع، ومن المنتجين لا المستهلكين فقط.
اقرأ أيضًا: من غلبة الدَّيْن إلى سكينة القلب
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.