مقدمة: الأمة بين الأمل والألم في زمن التحولات
تمرّ الأمة الإسلامية اليوم بمرحلة دقيقة من تاريخها؛ فالأحداث تتسارع، والصراعات تتشابك، والقوى العالمية تعيد رسم خرائط النفوذ، والمصالح، بينما تقف شعوب كثيرة بين الأمل، والألم، وبين التحديات والفرص،وفي خضم هذا المشهد المضطرب تأتي نفحات يوم الجمعة، ثم تطل علينا ذكرى عاشوراء، لتعيد إلى القلوب معاني الإيمان، والثبات، وتذكر الأمة بأن التاريخ لا تصنعه القوة المادية وحدها، وإنما تصنعه العقيدة الراسخة، والإرادة الصلبة ،واليقين بوعد الله.
أولاً: الجمعة محطة تجديد أسبوعية للأمة
جعل الله يوم الجمعة عيداً أسبوعياً للمسلمين، يجتمعون فيه على ذكر الله وسماع الموعظة وتزكية النفوس. وليس المقصود من الجمعة أداء شعيرة فحسب، بل تجديد العلاقة بالله وتجديد الوعي بالرسالة والمسؤولية.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9].
إن الأمة التي تحافظ على صلتها بالله لا يمكن أن تفقد قدرتها على النهوض مهما اشتدت الأزمات، لأن الإيمان يمنحها البصيرة قبل البصر، والثبات قبل الحركة.
ثانياً: عاشوراء مدرسة الانتصار على المستحيل
يوم عاشوراء ليس مجرد يوم صيام، بل هو يوم يذكّر البشرية كلها بأن الله ينصر الحق ولو بدا ضعيفاً.
ففي هذا اليوم نجّى الله موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنده، بعدما بلغت الأسباب المادية أقصى درجات اليأس.
قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء: 63].
لقد وقف بنو إسرائيل أمام البحر، وفرعون خلفهم، فقال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، لكن موسى أجاب بكلمة اليقين الخالدة: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61-62].
وهذه الرسالة هي ما تحتاجه الأمة اليوم: ألا تقيس مستقبلها بواقعها المؤقت، بل بوعد الله وسننه.
ثالثاً: قراءة المشهد العالمي في ضوء السنن الربانية
يشهد العالم تحولات غير مسبوقة:
تصاعد الصراعات الدولية.
اضطراب الاقتصاد العالمي.
تراجع الثقة في المؤسسات الدولية.
تنامي الأزمات الأخلاقية، والاجتماعية.
صعود قوى جديدة، وتراجع أخرى.
وقد علمنا القرآن أن الحضارات لا تسقط بسبب الفقر المادي فقط، بل بسبب الانحراف القيمي، والظلم والاستبداد.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: 59].
إن قراءة التاريخ تؤكد أن موازين القوى تتغير باستمرار، وأن الأمم التي تفقد منظومتها الأخلاقية تبدأ رحلة التراجع مهما بلغت قوتها العسكرية أو الاقتصادية.
رابعاً: ماذا تتعلم الأمة من عاشوراء اليوم؟
1) الثقة بالله فوق الحسابات المادية:
عندما يشتد الحصار وتضيق السبل، يبقى المؤمن واثقاً بأن الفرج من عند الله.
2) الصبر طريق النصر:
جميع الرسالات مرت بمراحل ابتلاء طويلة قبل التمكين.
3) التغيير يبدأ من الداخل
لا يمكن للأمة أن تستعيد مكانتها دون إصلاح الإنسان والأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام.
4) وحدة الصف ضرورة لا خيار:
فالأعداء يستفيدون من التفرق أكثر مما يستفيدون من قوتهم الذاتية.
5) صناعة الأمل واجب شرعي:
فاليأس ليس من أخلاق المؤمنين، والتاريخ الإسلامي مليء بلحظات تحولت فيها الهزائم إلى انتصارات.
خامساً: بين غزة وعاشوراء
تستحضر الأمة في هذه الأيام معاني الصمود، والثبات التي يجسدها كثير من المستضعفين في أنحاء العالم، حيث تؤكد الأحداث أن الشعوب التي تتمسك بحقوقها، وهويتها قادرة على البقاء رغم شدة الابتلاءات.
ومن دروس عاشوراء أن الظلم مهما طال أمده فليس أبدياً، وأن الحق قد يتأخر انتصاره لكنه لا يموت.
خاتمة
بين نفحات الجمعة ودروس عاشوراء رسالة عظيمة للأمة: لا تيأسوا من رحمة الله، ولا تستسلموا لواقعكم، ولا تنخدعوا بضجيج القوة المادية، فالتاريخ يعلمنا أن الأمم العظيمة تُبعث من جديد حين تعود إلى قيمها ومبادئها، ورسالتها.
إن الجمعة تدعونا إلى تجديد الإيمان، وعاشوراء تدعونا إلى تجديد اليقين، والواقع العالمي يدعونا إلى تجديد العمل.
وإذا اجتمع الإيمان واليقين والعمل؛ فإن فجر الأمة القادم بإذن الله سيكون أقرب مما يظن كثير من الناس.
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
اللهم فرجا قريبا للأمة يارب العالمين.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية