المربي

المربي

العابد كما يصوره القرآن ليس منعزلًا

العابد كما يصوره القرآن ليس منعزلًا

يتصوّر بعض الناس أن غاية العبادة أن تصنع إنسانًا منسحبًا من الحياة: منكفئًا على مصلّاه، ضعيفًا في دنياه، منعزلًا عن قومه. وهذا فهمٌ ناقص يهدم مقصد العبادة من حيث يظنّ خدمتها. فالقرآن الذي يطالبنا بعبادة الله، هو نفسه الذي يرسم لنا صفات عابد الله؛ ومن تأمّلها وجدها تصنع إنسانًا متوازنًا فاعلًا قويًّا، لا ناسكًا منقطعًا عاجزًا. والمربي معنيٌّ بهذا قبل غيره؛ لأن غايته أن يصنع بالعبادة هذا النموذج المتكامل، لا نقيضه.

 

فما صفات هذا العابد كما جاءت في القرآن الكريم؟

إنسانٌ صادقٌ مع نفسه

أوّل صفات العابد أنه صادقٌ مع نفسه غير مضطرب، لا يقول ما لا يفعل؛ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[البقرة: 44]. وهذه أوّل ما يجب أن يغرسه المربي في نفسه ثم في متربّيه: أن يتطابق الظاهر والباطن، والقول والعمل؛ فالمربي المنفصم قوله عن فعله يهدم أثره.

إنسانٌ صبورٌ جَلْد

والعابد جَلْدٌ صبور، يستعين على شدائد الحياة بالصبر والصلاة؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾[البقرة: 153]. فالعبادة لا تصنع إنسانًا هشًّا ينهار عند أوّل بلاء، بل إنسانًا يملك زادًا يثبّته. والمربي الذي يربّي على العبادة الصادقة، يربّي على الصلابة والثبات معًا.

إنسانٌ مفكّرٌ بحّاث

والعابد متدبّرٌ مفكّرٌ بحّاث، ينظر في الكون فيتفكّر: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ... لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[البقرة: 164]. فالعبادة لا تعطّل العقل، بل تشحذه؛ ومن ثمّ فالمربي الرباني لا يربّي على التلقين والتسليم الأعمى، بل يربّي عقلًا يتدبّر ويبحث ويسأل. وهذا فارقٌ جوهريّ بين تربيةٍ تصنع أتباعًا يردّدون، وتربيةٍ تصنع عقولًا تفهم.

إنسانٌ لا ينعزل ولا يتهوّر

والعابد لا يعتزل الناس منقطعًا للعبادة وحدها مرهقًا نفسه، بل يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله في وسط الناس؛ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾[البقرة: 207]. وهو في الوقت نفسه لا يكون أهوج مغامرًا يلقي بنفسه إلى التهلكة؛ ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُم إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾[البقرة: 195]. فهو وسطٌ بين انعزالٍ يُعطّل، وتهوّرٍ يُهلك؛ يخالط الناس ويصلح فيهم، بحكمةٍ لا باندفاع.

إنسانٌ عاليُ النفس كريم

والعابد عاليُ النفس غير وضيع؛ ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]، كريمٌ غير بخيل، لا يستكين للذلّ ولا يرضى الهوان. فالعبادة تصنع إنسانًا عزيزًا كريمًا، لا ذليلًا مستكينًا؛ والمربي الذي يربّي على العبودية لله وحده، يحرّر متربّيه من العبودية لكلّ ما سواه.

 

خاتمة

انظر إلى النموذج الذي ترسمه هذه الصفات: إنسانٌ صادقٌ، صبورٌ، مفكّرٌ، فاعلٌ في الناس، عزيزٌ كريم. هذا هو ثمرة العبادة الصادقة، وهذا هو ما ينبغي أن يصنعه المربي؛ فليست غايتنا أن نُخرّج ناسكًا منعزلًا ضعيفًا، بل إنسانًا تصنع منه عبادتُه قوّةً ووعيًا واستقامةً في الحياة كلها. فالعبادة الحقّة لا تُخرج المرء من الحياة، بل تصنع منه أفضل من يعيشها.

 

 

اقرأ أيضًا: هل يكفي إصلاح الظاهر في حمايتك من فخ الخلوات؟

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم