للبيوت أرواحٌ كما للناس؛ فمنها بيتٌ تدخله فتشعر بسكينةٍ لا تدري مصدرها، وبيتٌ تدخله فتلفحك برودةٌ رغم دفء جدرانه. والفرق ليس في الأثاث ولا في السعة، بل في الروح التي تسري فيه؛ وصانعة هذه الروح ــ في الغالب ــ هي المرأة. فالمرأة الربّانية ــ التي عمرت قلبها بصلةٍ بالله ــ لا تحفظ هذه الصلة لنفسها فحسب، بل تفيض بها على بيتها، فتحوّله إلى ما أمر الله به: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس: 87]. فيصير البيت قبلةً تتوجّه إليها القلوب وتعمُر بذكر الله، لا مجرّد مأوى للأجساد.
والربانية ــ في أصلها ــ هي الانتساب إلى الرب، بأن نكون لله في كلّ أحوالنا؛ فلا ننطق إلا بما يرضيه، ولا نعمل إلا ما يرضاه. والمرأة حين تعيش هذا المعنى، لا تعيشه في مصلّاها وحده، بل في مطبخها، ومع أبنائها، وفي إدارة بيتها؛ فتصير حياتها كلها عبادةً، وبيتها كله قبلة.
كيف تصنع المرأة من بيتها قبلة؟
اجعلي لبيتكِ نبضًا من ذكر الله. فالبيت الذي يُتلى فيه القرآن، ويُذكر فيه الله، وتُقام فيه الصلاة، تسري فيه سكينةٌ يشعر بها كلّ من فيه. لا يحتاج الأمر خطبًا ولا تكلّفًا؛ بل صوت قرآنٍ يملأ أرجاء البيت، وأذكارٌ تُقال بصوتٍ مسموع، ودعاءٌ عند الطعام والنوم والخروج، حتى يألف الأبناء أن الله حاضرٌ في تفاصيل يومهم.
كوني قدوةً صامتة. فالمرأة الربّانية تربّي أهلها بحالها قبل مقالها؛ فحين يراكِ أبناؤكِ تصلّين بخشوع، وتذكرين الله في مطبخكِ، وترضين بقضائه عند الشدّة، يتعلّمون الربانية بالعدوى لا بالوعظ. فأنتِ أوّل تفسيرٍ يقرؤه أبناؤكِ لمعنى القرب من الله.
صِلي رحمكِ واغرسي البرّ. فمن الربانية أن تصلي أرحامكِ وتكوني بارّةً بأهلكِ، وأن تُعطي أبناءكِ القدوة في ذلك؛ فالبيت الذي يرى فيه الأبناء أمّهم تصل خالتهم وتبرّ جدّتهم وتُحسن إلى الجيران، ينشؤون على أن الدين معاملةٌ ورحمةٌ لا شعائر منعزلة.
اجعلي بيتكِ واحةً لا ثكنة. فالربانية رحمةٌ وأنسٌ لا تشدّدٌ ينفّر؛ فكوني لأهلكِ الواحة التي بها يأنسون، لا مصدرًا للتوتّر والعبوس. فالبيت الذي يقترن فيه الدين بالدفء والرحمة، يحبّبه إلى أهله؛ والذي يقترن فيه بالصرامة والكآبة، ينفّرهم منه.
زادٌ لكِ قبل أن يكون لهم
ولن تستطيعي أن تعطي بيتكِ هذه الروح ما لم تملكيها أنتِ أوّلًا؛ فاحرصي على زادكِ الخاصّ: صلةٌ بالله في خلوتكِ، وقرآنٌ تتلينه، وقيامٌ ولو يسيرٌ من ليلكِ. فالربانية مددٌ للحياة الإيمانية؛ فمن أرادت أن تُشعّ على بيتها نورًا، فلتُوقد في قلبها هذا النور أوّلًا. ولا تظنّي كثرة مشاغل البيت والأبناء تنافي الربانية؛ بل هي ــ إذا احتسبتِها ــ تزكّي روحكِ وترفع رصيدكِ عند الله.
خاتمة
بيتكِ ليس جدرانًا تحفظينها، بل روحًا تصنعينها؛ فاجعليه قبلةً تعمُر بذكر الله، تفيض عليه من صلتكِ بربّكِ سكينةً ورحمةً وأنسًا. فالمرأة الربّانية تربّي جيلًا بلا وعظٍ ثقيل؛ لأن أبناءها يتنفّسون الإيمان في بيتٍ صنعته قبلةً للقلوب. فابدئي بقلبكِ، يعمُر بكِ بيتكِ، ويصلح بصلاحكِ أهلكِ.
اقرأ أيضًا: لا يفيض الإناء بما ليس فيه.. فاملئي قلبكِ أولًا
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.