الجذور الأولى لفكرة الاقتصاد الوطني
كان طلعت حرب من أوائل من طرحوا فكرة الاقتصاد الوطني.. ثم طرح الاقتصاديون المسلمون الفكرةَ من منظورٍ إسلامي خالصٍ، وكان من أوائلهم: طاهر عبد المحسن، وصالح عشماوي، وسيد عاشور، وهم من دفعة كلية التجارة “مدرسة التجارة العليا” عام 1937م.
وفي ديسمبر 1938 تكوَّنت رابطةُ البحوثِ الاقتصاديةِ والسياسية الإسلامية بكلية التجارة؛ حيث “اجتمع فريقٌ من شبابِ الكليةِ وتبادلوا الرأي بينهم، فقرَّ رأيهم بالإجماع على ضرورةِ بعث النظم الاقتصادية والسياسية الإسلامية السليمة من جديد”.
وقد أثمرت هذه الرابطة ثمراتٍ طيبة، وتطوَّرت حتى أصبحت جمعية الدراسات الإسلامية للاقتصاد والسياسة والمال بكلية التجارة، وشارك فيها مجموعةٌ من أساتذة الكلية من أبرزهم أ. د محمد عبد الله العربي صاحب المؤلفات الرائدة في الاقتصاد الإسلامي.
وحين كتب د. محمود أبو السعود كتابَه حول “معالم الاقتصاد الإسلامي” لم يستوعب الكثيرون إمكانيةَ ترجمة تعاليم الإسلام إلى نظمٍ تحكم الحياةَ الاقتصاديةَ والتجارية، حتى أبرز د. محمد عبد الله العربي الفكرةَ في تصور عملي من خلال كتابه: “المعاملات المصرفية المعاصرة والنظرية الإسلامية” عام 1966، وعزَّز ذلك د. عيسى عبده في كتابه: “بنوك بلا فوائد”، وكانت الصحافة الناصرية تستهزئ بالأستاذ الدكتور عيسى عبده رحمه الله لمَّا أراد إنشاء مصارف على أساس إسلامي.
وانتُدِب د. عيسى عبده كمستشار لبنك دبي الإسلامي؛ حيث استغرق الإعداد والتحضير طوال عام 1974م، حتى قام بنك دبي الإسلامي عام 1975م، فكان أولَ بنك في الساحةِ الإسلامية بمنطقة الخليج.
ومضى الدكتور عيسى عبده يعمل على إنشاء كليةٍ للاقتصاد الإسلامي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض تكون نموذجًا للعالم الإسلامي كله، وقد وفقه الله لذلك،
وكان من ثمرة هذا أن أصبح علمُ الاقتصاد الإسلامي المعاصر- الذي أرسى قواعدَه د. عيسى عبده، ود. محمود أبو السعود، ود. محمد عبد الله العربي، ود. يوسف القرضاوي، ود. أحمد النجار، وغيرهم ممن ساروا على نهجهم- مادةً تدرَّس في كثيرٍ من الجامعات، داخل الوطن العربي والإسلامي وخارجه أيضًا، بل إن الكثير من الباحثين قدموا رسائل في الماجستير والدكتوراه في الاقتصاد الإسلامي وفروعه المختلفة، ومنها أعمال البنوك الإسلامية المعاصرة.
ووصل اليوم عدد المؤسسات المالية الإسلامية على امتداد العالم إلى170 مصرفًا ومؤسسة، وتبلغ الاستثمارات التي تديرها إلى أكثر من 150 مليار دولار، وصارت المصارف الإسلامية واقعًا جديدًا يحظى بالقبول العالمي.
الإخوان المسلمون والنشاط الاقتصادي
أنشأ الإخوان مجموعةً من الشركات كانت أسهُمُها جميعًا موزَّعةً على مجموعةٍ كبيرةٍ جدًّا من المساهمين، بعكس ما ألِفَ الناس في الشركاتِ الكبيرةِ في مصر التي يتحكَّم فيها ويملك غالبيةَ أسهمها قلةٌ من الرأسماليين؛ ولعلَّ أوضح مثال لذلك هو شركة الإخوان المسلمين للغزل والنسيج، فرأس المال الفعلي لها كان 6500 جنيه، وكان عدد المساهمين 550 مساهمًا، ومعظمهم من العمال، ومن هذه الشركات:
1- شركة المعاملات الإسلامية
وقد تكوَّنت سنة 1939م برأسمال أساسيٍّ قدره 4000 جنيه، زيد إلى عشرين ألف جنيه مصري سنة 1945م، وقامت الشركة بإنشاء خطوط نقل، وأقامت مصنعًا كبيرًا للنحاس، ينتج “وابور غاز” كاملاً، وقطع غياره المختلفة راجت في الأسواق المحلية والخارجية.
2- الشركة العربية للمناجم والمحاجر وقد تكوَّنت في سنة 1947 برأسمال قدره ستون ألف جنيه.
3- شركة الإخوان المسلمين للغزل والنسيج تأسست هذه الشركة سنة 1948 برأسمال أساسي قدره ثمانية آلاف جنيه، وكان عدد عمالها حوالي 60 عاملاً، جميعهم من المساهمين في الشركة، وفي عشرة أشهر بلغ صافي أرباحها 1400 جنيه.
4- شركة المطبعة الإسلامية والجريدة اليومية
5- شركة التجارة والأشغال الهندسية بالإسكندرية
وقد تكوَّنت برأسمالٍ قدره 14.000 جنيه، موزعٍ على 3500 سهم؛ للقيام بأعمال التجارة والهندسة.
6- شركة التوكيلات التجارية
7- شركة الإعلانات العربية
الاقتصاد الإسلامي في مواجهة الاحتكار والاستغلال
ولتنمية الثروة القومية وحمايتها وتحريرها والعمل على رفع مستوى المعيشة كما نصت عليه الفقرة ج من المادة الثانية من القانون الأساسي يلاحظ أنهم نادوا
1- أن تمنع الدولة تملك الأجانب للعقارات.
2- أن من الأصول التي يقوم عليها دعائم النظام الاقتصادي الإسلامي الاهتمام الكامل بتمصير الشركات وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محل رؤوس الأموال الأجنبية وتخليص المرافق العامة من يد غير أبنائها فلا يصبح أن تكون الأرض والبناء والنقل والماء والنور والمواصلات الداخلية، والنقل الخارجي حتى الملح والصودا وامتياز شركة قنال السويس في يد شركات أجنبية تبلغ رؤوس أموالها وأرباحها الملايين من الجنيهات، لا يصيب الجمهور الوطني ولا العامل الوطني منها إلا البؤس والشقاء والحرمان.
ويجب ألا تكون في أيدي أفراد أو شركات، ويجب أن تخضع الثروات العامة كالمعادن لتشريع يصون مصلحة الأمة.
وهي أصول لما كرسه الإمام حسن البنا حيث كتب أن الأجانب الذين احتلوا هذا الوطن بغفلة من أهله، وتساهل من حكامه، وظلم من غاضبيه، أسعد حالات من أهله وبنيه، وأنهم قد وضعوا أيديهم على أفضل منابع الثروات فيه شركات أو أفرادا، فالصناعة والتجارة، والمنافع العامة، والمرافق الرئيسية، كلها بيد هؤلاء الأجانب حقيقة، أو الأجانب الذين اتخذوا من الجنسية المصرية شعارًا وما زالوا يحنون بعد إلى أوطانهم ويؤثرونها بأكبر أرباحهم.. وأن كثيرا من هؤلاء الأجانب مازال ينظر إلى المواطن المصري، والعامل المصري، والحاكم المصري نظرة لا تقدير فيها ولا إنصاف.
3- منع كل ما يؤدي إلى الاحتكار وتضخم الثروات عن غير طريق الجهد الشخصي والعمل المفيد المشروع كاحتكار صناعة السكر واحتكار صناعة الأسمنت لأنها وسيلة تحكم في السعر والتحكم في العامل، ووسيلة لتضخيم الثروة بطريقة جائرة لا تحقق تكافؤ الفرص للجميع وشأناه كالمرافق العامة يجب أن تبقى ملكًا للشعب.
4- للدولة عند الحاجة الماسة أن تتدخل في الثروات العامة والخاصة والمرافق الكبرى بما تقتضيه مصلحة الأمة العليا على أن لا يقضي ذلك على الملكية الفردية والتنافس الاقتصادي، فكل ما يؤدي إلى جلب مصلحة عامة أو دفع ضرر عام فهو واجب على السلطان، فتطبيقا لذلك يجب على الدولة:
أ- سحب الأموال الفائضة من أيدي أصحاب رؤوس الأموال المتضخمة.
ب)- منع الفقر بتوفير العمل لكل قادر والتأمين الاجتماعي لكل عاجز، هذا ما نادوا به وقد ارتبط المبدأ الاقتصادي بأهداف اجتماعية. وذهبت صحف معارضة لهم «أن في دعوة الإخوان نزعة شيوعية لأن أربعة من أعضائها قد تضمنت خطبهم ما بحث الفلاحين على المطالبة بملكية الأرض، وأن الإخوان والشيوعيين يشتركون في الإخلال بالنظام.
ولكن دعوتهم- كما رأينا- كانت استلهاما من مبادئ الإسلام التي قامت على التعاون والتكافل بما تفرضه طبيعة الاجتماع ولكن المتخمين بالثروة يأبون أن يردوا على الفقراء والمساكين بعض حقهم الذي يوجبه الدين، والقوانين عاجزة عن معالجة هذه الحالة لأنها لا توجد ولا وتنفذ إلا إذا رضي بها السادة الأغنياء.
وأن في مصر ماليين يكدسون الأموال عقارات ومنقولات ومشروعات صناعية ويستخدمون عمالا يكدحون ويشقون بأجور تافهة لا تقوم باللقمة الجافة والكساء الذي لا يستر العورة، وليس في مصر قانون يلزم أصحاب الأموال أن يشركوا في أرباحهم العمال كما يقضي بذلك الإسلام، وصاحب المال يكدس خزائنه ذهبا وفضة، والعامل يكدس في قلبه غضبا وحقدا ينمو ويزيد كل يوم.
والأهداف الاجتماعية مرتبطة بما يتخذ من أصول اقتصادية فهدفها كما نصت عليه الفقرة د من المادة الثانية:
"تحقيق العدالة الاجتماعية والتأمين الاجتماعي لكل مواطن والمساهمة في الخدمة الشعبية، ومكافحة الجهل والمرض والفقر والرذيلة وتشجيع أعمال البر والتأمين والخير " فنادوا في شأن تحقيق العدالة الاجتماعية والتأمين الاجتماعي:
1- أن تؤخذ الزكاة وتنظم ليستعان بها في القضاء على الفقر والأمراض الاجتماعية، وليس ما يمنع أن تفرض في كل ما يسمى مالا أو كسبا، وكل ما يغل غلة ولو لم يكن من الأنواع التي فرضت فيها الزكاة على عهد النبي، وكذلك يجوز التصرف في مصارف الزكاة -قياسا على تصرف عمر في شأن منع المؤلفة قلوبهم- فلا يعطي نقدا أو عينا لمن يصرف لهم بل تؤسس لهم به مصانع أو تشتري لهم به حصص في ممتلكات أو مؤسسات ليصبح مورد رزق دائم لهم، ويجب على الدولة توفير المأكل والملبس والمسكن والدواء والعلاج والعلم لكل فرد من أفراد الشعب ومن حق كل وليد أن يجد الكفاية الغذائية والرعاية التربوية ما يجده كل وليد آخر في الدولة لأن الجميع يجب أن تتاح لهم الفرص متكافئة.
2- إعادة النظر في نظام الملكيات بتحديد الملكية وتعويض أصحاب الملكيات الكبيرة وتشجيع الملكيات الصغيرة حتى يشعر الفقراء المعدمون بأن قد أصبح لهم في هذا الوطن ما يعنيهم أمره وتوزيع أملاك الحكومة عليهم وقرروا أن يكون للفلاح حد أدنى للملكية وحق للحصول على سكن صالح وتأمين الصحة.
3- تنظيم الضرائب وفرضها تصاعديا بحسب المال لا بحسب الربح ويعفى منها الفقراء وتجبي من الأغنياء الموسرين وتنفق في رفع مستوى المعيشة
4- تيسير العمل لكل فرد وتأمين الأجر الذي يتناسب والكفاية بمطالب الطعام واللباس، وأن يراعى الحد الأدنى للأجور وهو مراعاة مستوى المعيشة في البيئة وتحديد أوقات العمل ومنع استخدام الأحداث وتحريم تشغيل النساء إلا فيما يتفق مع طبيعتهن ووظيفتهن الاجتماعية.
.