مقالات تربوية

المربي

إصلاح مؤسسات المجتمع التربوية

إصلاح مؤسسات المجتمع التربوية

تمهيد 


تربية المجتمع وأفراده تحتاج إلى مؤسسات تربوية، هي في حقيقتها وسائط تحمل الأهداف التربوية لتحقيقها في أفراد المجتمع؛ وذلك في مجالات حياتهم: الفكرية، والنفسية، والسلوكية. فهذه المؤسسات هي أدوات التربية في تغيير واقع المجتمع، وغرس القيم، والمفاهيم، والمشاعر، والسلوكيات. وترافق المؤسسات التربوية الفرد في كل مرحلة من مراحل حياته.

يقول الدكتور عبدالرحمن النحلاوي: "لكل مشروع أوإنجاز يراد تحقيقه، وسائل تناسبه وتحقق أهدافه، فإنشاء عمارة كبيرة يحتاج إلى آليات ومهندسين ومواد بناء أولية وعمال. وكذلك التربية، إنها مشروع يهدف إلى تكوين جيل، وتعهّد نموه لتحقيق هدف الأمة الأسمى، الهدف الذي دعانا الله إليه، لنكون خير أمة أُخرجت للناس". (١)

وتعرف هذه المؤسسات "بأنها تلك البيئات أو الأوساط التي تُساعد الإنسان على النمو الشامل لمختلف جوانب شخصيته، والتفاعل مع من حوله من الكائنات، والتكيف مع من حوله من مكونات".(٢)

 

أولًا: المؤسسات (الوسائط) التربوية

  1. الأسرة.
  2. المدارس والجامعات والمعاهد.
  3. المساجد.
  4. الإعلام المرئي والمسموع والمقروء.
  5. دور الثقافة: السينما والمسرح والمراكز الثقافية والمكتبات العامة.
  6. النوادي الرياضية والاجتماعية ومراكز الشباب.
  7. مؤسسة الشرطة.
  8. مؤسسة الجيش.
  9. ويضيف الدكتور ماجد الكيلاني، مؤسسات العشيرة والقبيلة، ومؤسسات التربية السياسية والإدارة، ومؤسسة القضاء والحسبة. (٣)

 

ثانيًا: شروط فاعلية المؤسسات التربوية

لكي تكون المؤسسات التربوية فاعلة ومؤثرة وتؤدي دورها كما ينبغي، لا بد أن يتوفر فيها ما يلي:

1- وحدة الفلسفة التربوية وأهدافها ومنهاجها:

في الدول القوية تتوحد فيها السياسات التربوية لكل مؤسسات المجتمع التربوية؛ وذلك لأن توافق هذه السياسات في جميع المؤسسات التربوية يعطي للشخصية توحدًا في مكوناتها الأساسية: العقائدية، والفكرية، والسلوكية. أما إذا تعارضت تلك السياسات والفلسفات والأهداف التربوية؛ فإنها تفضي إلى تمزيق الشخصية وإحباطها، ومن ثَم تمزق المجتمع وتخلف في كل مناحي الحياة. ولن تصمد مثل هذه الشخصية أمام تكاليف الحياة، أو بناء الأوطان، أو مقاومة الأعداء.

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَّجُلا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩].

يقول الإمام البنا في رسالة نحو النور: "إنكم سترون أمامكم طريقين، كل منهما يهيب بكم أن توجهوا الأمة وجهتها وتسلكوا بها سبيله، ولكل منهما خواصه ومميزاته وآثاره ونتائجه ودعاته ومروجوه. فأما الأول: فطريق الإسلام وأصوله وقواعده وحضارته ومدنيته، وأما الثاني فطريق الغرب ومظاهر حياته ونظمها ومناهجها. وعقيدتنا: أن الطريق الأول طريق الإسلام وقواعده وأصوله هو الطريق الوحيد الذي يجب أن يسلك، وأن توجه إليه الأمة الحاضرة والمستقبلة". 

2- أن تنطلق وتعبر عن معتقدات المجتمع وثقافته:

وتظهر جدية الدولة في التنمية والتقدم والدفاع عن نفسها؛ في العمل الجاد على توحيد هذه السياسات التربوية، بما يتفق مع ثقافة الأمة ومعتقداتها؛ لتربي الإنسان القوي القادر على البناء والابتكار والإبداع، الإنسان "الصالح المصلح" في الحياة الدنيا الفائز بالآخرة ونعيمها.

وفي مقال للإمام البنا -رحمه الله- عن إصلاح الشرق، يقول: "قد يكون خير السبل لإصلاح الشرق وتخلصه من ورطته الفكرية أن يوجه زعماؤه وقادته جهود الأمم إلى غاية منتزعة من روح الشرق، ملائمة لمزاج أهله، لا تنحصر فى التقليد لأوروبا أو لغيرها، بل قوامها إنهاض الشرق من كبوته، واستخدام قواه الكامنة فى الإصلاحات العلمية والاقتصادية والمدنية، التي يكون من ورائها قوة الشرق المادية والأدبية".

3- أن تعمل على  تنقية المعتقد والثقافة مما أصابها من انحرافات وخرافات: "إنما أعني أن كثيرًا من المسلمين في كثير من العصور خلعوا عن الإسلام نعوتًا وأوصافًا ورسومًا من عند أنفسهم، واستخدموا مرونته وسعته استخداما ضارا مع أنها لم تكن إلا للحكمة السامية، فاختلفوا في معنى الإسلام اختلافا، وانطبعت للإسلام في نفس أبنائه صور عدة تقرب أو تبعد أو تنطبق على الإسلام الأول الذي مثله رسول الله وأصحابه خير تمثيل". (المؤتمر الخامس: الأستاذ حسن البنا). 

 ثالثًا: واقع مؤسساتنا التربوية في العالم الاسلامي  

لقد تعرضت هذه المؤسسات جميعًا لهزة عنيفة واختراق عميق من عدة جوانب:

  1. تم تعديل مسارها من المنطلق الإسلامي إلى المنطلق الغربي العلماني.
  2. تعددت بالتالي الفلسفات والأهداف والمناهج.
  3. محاولة إلغاء المدارس الإسلامية، أو إلغاء بعضها تمامًا كالكتاتيب.
  4. إضعاف بعض المؤسسات: كإضعاف مهام وأداء المساجد، وكذلك إضعاف المدارس الإسلامية.
  5. تفريغها جميعًا تقريبًا من المصلحين، وخاصة المصلحين الإسلاميين (تجفيف المنابع).

 رابعًا: الآثار التي ترتبت على محاولة تعديل الأساس والمنطلق التربوي الإسلامي إلى الغربي

  1. ازدواجية القيم في المجتمع الواحد ما بين قيم إسلامية وأخرى علمانية.
  2. تمزق في الشخصية نتيجة الصراع النفسي بين منظومتي القيم.
  3. تمزق المجتمع الواحد نتيجة الصراع بين كلٍّ من أصحاب منظومتي القيم.
  4. تخلف في التنمية في كل مجالات الحياة.
  5. التبعية لأصحاب القيم الغربية العلمانية.
  6. أفرزت نخبًا حاكمة تقوم بدور الوكلاء والوسطاء للمستعمرين (٤).

 

وهذه هي جناية الشعوب الإسلامية على نفسها –في الوقت الحاضر- فقد ارتدَّت إلى العصبيات الشعوبية التي عاشتها قبل الإسلام، ثم خلطتها بثقافات ونظًم مستوردة من الغرب الأوروبي والأمريكي، وشكَّلت من هذا الخليط نظما وثقافات متشاكسة، متناقضة، سيئة المنابع، فاسدة المسارات والممارسات، وانتهت بها الى خليط متنافر من الأفراد والجماعات، فاقدة الهوية، تعاني من التمزق والضياع (٥).

يقول الاستاذ البنا عليه رحمة الله : "أما أثر هذا التذبذب في مظاهر حياتنا العملية فكبير واضح، ولعله مصدر كثير من المشكلات في التعليم والقضاء، وفي حياة الأسرة وفي منابع الثقافة العامة، وفي غير ذلك من الشؤون العامة، هل هناك أمة غير مصر يسير التعليم فيها من أول خطواته علي هذين اللونين من ألوان التربية، فهناك التعليم الديني يتصل بنصف الأمة وينتهي إلي الأزهر و معاهده وكلياته، وهناك التعليم المدني يتصل بالنصف الثاني؛ ويتميز كل منهما بخواصه ومميزاته؟ وهل لذلك من سبب سوى أنَّ السلسلة الأولي هي أثر الإسلام الباقي في نفوس هذه الأمة، وأن السلسلة الثانية هي نتاج مجاراة الغرب والأخذ عنه؟ فما الذي يمنع من توحيد التعليم في مراحله الأولى على أساس التربية القومية الإسلامية ثم يكون بعد ذلك التخصص؟ وهل هناك أمة غير مصر ينقسم فيها القضاء الي شرعي وغير شرعي كما ينقسم القضاء المصري؟ وهل لذلك سبب سوى أنّ القضاء الأول أثر الإسلام في الحياة المصرية، والثاني وليد النقل عن الغرب والأخذ عنه؟          

وما الذي يمنع من أن تتوحد المحكمة على أساس اعتبار الشريعة الإسلامية هي شريعة البلاد ومصدر التقنين؟ وهذه البيوت المصرية، ألسنا نلمح فيها أثر هذه الحياة المتذبذبة المتناقضة، فكثير من الأسر المصرية لا تزال شديدة المحافظة على ما ورث من تعاليم الإسلام وآدابه، في الوقت الذي انسلخ فيه الكثير عن هذه التعاليم وخرج على هذه الآداب، وغلبت عليه نزعة التقليد في كل شيء، بل جاوز بعضنا ذلك الحد، حتى صار غريبا أكثر من الغربيين؟

ولابد من وضع حد لهذا التفاوت الغريب حتي نظفر بالأمة الموحدة، فبدون الوحدة لا تتحقق نهضة ولا تحيا أمة حياة الكمال."

ولكن حدث عكس ما دعا إليه الشهيد حسن البنا؛ فتم إلغاء المحاكم الشرعية عام 1955 ميلادية ، وتم التوسع في التعليم المدني والأجنبي، وإضعاف التعليم الأزهري، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

خامسًا: علاج أوضاع مؤسساتنا التربوية في عالمنا الإسلامي

أ- بعض الحقائق:

  1. إنَّ التقدم الحضاري للأمم ينطلق من ثقافتها وما تحتويه من دين وعادات وتقاليد، ومن أسباب تأخرها: هو محاولة بناء حضارتها بتقليد أمم أخري لا تتفق معها في نفس ثقافتها.
  2. إنَّ الأمة الإسلامية أمة عريقة وثقافتها الإسلامية عميقة في نفسها.
  3. إنَّ الإسلام بشمول نظمه؛ ينظم كل مناحي الحياة، ومنها النظام التربوي.
  4. إنَّ نظم الإسلام الكلية قادرة على استيعاب ما تقدمه البشرية بما لا يتعارض مع أصوله.

ب- إعادة صياغة الأهداف التربوية لمؤسساتنا التربوية:

هناك ضرورة ملحة إلى بلورة أهداف تربوية محددة تتصف بالأصالة والمعاصرة على سواء، فما زالت النظم والمؤسسات التربوية القائمة في الأقطار العربية والإسلامية تعاني في هذا المجال من أمرين:

الأول: أن النظم والمؤسسات التربوية التي أنشئت في هذه الأقطار على النمط الأوروبي والأمريكي، ما زالت مغتربة ثقافيًا وتربويًا في هاتين القارتين.

الثاني: تلقين هذه الأهداف التربوية المستوردة تلقينا يشبه تلقين النصوص المقدسة، وتتجاهل الظروف الاجتماعية والعلمية والمرحلة الحضارية التي صاحبت هذه الأهداف والنتائج التي تولدت عن هذا الاستيراد، ولا تدري شيئا عن المراجعات الجارية لهذه الأهداف عند أهلها وواضعيها (٦).

غاية وأهداف التربية الإسلامية

"إن الهدف الأساسي لوجود الإنسان في الكون، هو عبادة الله والخضوع له، والخلافة في الأرض، ليعمرها بتحقيق شريعة الله وطاعته. وقد صرح القرآن بهذا الهدف في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].

وإذا كانت هذه مهمة الإنسان في الحياة، فإن تربيته يجب أن تكون لها نفس الهدف؛ لأن التربية الإسلامية هي: "تنمية الإنسان وتنظيم سلوكه، وعواطفه، على أساس الدين الإسلامي"، وبذلك "تكون الغاية النهائية للتربية الإسلامية هي تحقيق العبودية لله في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية"(٧).
ومن معاني تنمية الإنسان:" بناء النفوس وتشييد الأخلاق وطبع أبناء الأمة على خلق الرجولة الصحيحة، حتي يصمدوا لما يقف في طريقهم من عقبات ويتغلبوا على ما يعترضهم من مصاعب". (الإمام البنا: رسالة هل نحن قوم عمليون؟).

وهناك تفاصيل لموضوع تحديد الأهداف التربوية، ليس هنا مجال ذكرها في هذه العجالة والإطلالة السريعة الخاصة بضرورة إصلاح المؤسسات التربوية في عالمنا الإسلامي.

 

سادسًا: دور الدولة في إصلاح المؤسسات التربوية:  

الاستقرار على أن ثقافة الأمة وعقيدتها هوالإسلام، واعتماد الفلسفة الإسلامية والنظم الإسلامية أساسًا للأهداف التربوية.

  1. القدرة على استيعاب المجتمعات الإسلامية للثقافات الأخرى التي وفدت إليها بأسباب شتى، أو هي أحد مكونات المجتمع الأصلية (الأقليات).
  2. تكوين هيئة عليا للمؤسسات التربوية في الدولة للتخطيط والمتابعة والتنسيق؛ يكون من مهامها:
  • وضع الغايات والأهداف العليا للتربية الإسلامية المراد تحقيقها في المجتمع.
  • الإشراف على الخطوط العامة للمحتوى التربوي للمؤسسات.
  • متابعة خطط كل مؤسسة، ومتابعة التنفيذ، والتقويم المستمر.

 تضع كل مؤسسة خططها التربوية، وتشمل:    

  • الأهداف العامة، والأهداف الإجرائية، وبرامج التنفيذ، والمتابعة والتقويم.
  • إعداد المحتوي التربوي بناء على الأهداف.
  • تدريب الكوادر على الخطط وإعدادهم للتنفيذ.
  • من أهم المؤسسات التربوية: الكليات والمعاهد التي تُخرج المدرسين، والتي تخرج الدعاة في المؤسسات الدينية، والتي تخرج الإعلاميين، والسياسيين، والاقتصاديين. وبالإجمال المؤسسات التربوية التي تخرج لنا القادة المؤثرين في المجتمع والحياة.

ملاحظة مهمة

إن الأمة يجب أن تتولى تخطيط نظم التربية فيها، وتحديد فلسفتها وأهدافها، ولا تتركها لأقلية من "البيروقراطية التربوية" التي تتلاعب بتشكيل أجيال الأمة طبقا للأهواء الحزبية، والمصالح الشخصية، والولاءات الثقافية المغتربة المضطربة. (٨)

_________________________________

  1. أصول التربية الإسلامية وأساليبها: د. عبدالرحمن النحلاوي - دار الفكر - دمشق - بيروت.
  2. موقع صيد الفوائد: كتاب (مقدمة في التربية الإسلامية) للكاتب الدكتور صالح بن على أبو عراد أستاذ التربية، الاسلامية بكلية المعلمين فى أبها، ومدير مركز البحوث التربوية بالكلية، الرياض: دار الصولتية للتربية.
  3. موقع لألوكة: مؤسسات التربية الإسلامية: الدكتور ماجد عريسان الكيالين.
  4. كارنوي: من كتاب أهداف التربية الإسلامية للدكتور ماجد الكيلاني.
  5. موقع الألوكة: مؤسسات التربية الإسلامية: الدكتور ماجد عريسان الكيلاني
  6. أهداف التربية الإسلامية للدكتور ماجد عرسان الكيلاني - دار القلم - دولة الإمارات– دبي - الطبعة الأولى 2005
  7. أصول التربية الإسلامية وأساليبها: د. عبد الرحمن النحلاوي - دار الفكر - دمشق – بيروت
  8. أهداف التربية الإسلامية للدكتور ماجد عرسان الكيلان - دار القلم - دولة الإمارات– دبي - الطبعة الأولى 2005

 

 

 

.

م. أحمد شوشة

مهندس مدني وعضو في جماعة الإخوان المسلمين .

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم