ينشغل كثير من المربين والدعاة بإصلاح غيرهم حتى ينسوا أنفسهم؛ فيبذلون للناس ما لم يعد في خزائنهم منه شيء، ويسقون الأرض وينابيعهم جافة. والقاعدة التي يغفلون عنها بسيطة عميقة: فاقد الشيء لا يعطيه. فمسؤولية المربي تجاه غيره ــ وهي واجب عليه ــ يجب ألّا تصرفه عن رعاية نفسه وإصلاح حاله؛ قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)﴾ [الشمس: 9-10].
وقد صاغ الإمام حسن البنا -رحمه الله- هذا المعنى في كلمات جامعة: «القلب المنقطع الصلة بالله كيف يسير بالخلق إليه؟ والتاجر الذي لا يملك رأس المال من أين يربح؟ والمعلم الذي لا يعرف منهاجه كيف يُدرسه لسواه؟ والعاجز عن قيادة نفسه كيف يقود غيره؟». فالمربي الذي لم يُصلح نفسه أولًا، يعطي من فراغ، ويقود إلى حيث لا يعرف الطريق.
ميدانك الأول نفسك
ومن هنا كان أول ميادين المربي نفسه لا طلابه؛ يقول الإمام البنا: «ميدانكم الأول أنفسكم، فإذا انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإذا أخفقتم في جهادها كنتم عمّا سواها أعجز، فجرّبوا الكفاح معها أولًا». فمن غلب نفسه قدر على غيره، ومن غلبته نفسه عجز عمّن سواها. ولهذا كان الصلاح أساس الإصلاح، وكانت العبادة طريق القيادة.
وهذا المعنى هو جوهر التزكية التي لا يستغني عنها مربٍّ؛ فالتربية ــ كما قيل ــ تلقٍّ وعطاء، وزادٌ وحركة؛ فمن أراد أن يتحرك بالناس ويعطيهم، فليتزوّد أولًا. ولنا في مطلع الرسالة أوضح دليل؛ فقد بدأ الأمر بـ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ و﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ــ زادٌ روحيّ في جوف الليل ــ قبل الانطلاق إلى الناس بالنهار؛ فكان الصحابة كما وُصفوا: «رهبانًا بالليل، فرسانًا بالنهار».
زادٌ لا تنقطع صلته
وممّن ضرب المثل في هذا شيخ الإسلام ابن تيمية؛ كان يجلس في مصلاه بعد الفجر يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ويقول: «هذه غدوتي، لو لم أفعلها لسقطت قوتي». فجعل صلته بالله وقودًا لا غنى عنه لبقيّة يومه. وهكذا يجب أن يكون المربي: له زادٌ يستمدّ منه القوّة التي تعينه على أداء واجبه.
ولهذا الإقبال على الله ثمرة عاجلة في قلوب الناس؛ يقول هرم بن حيان: «ما أقبل عبدٌ على الله بقلبه إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودّتهم ورحمتهم». فقلوب الناس بيد الله؛ فمن أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الخلق، وجعل له في القلوب قبولًا لا تصنعه المهارات وحدها. فلن ينال المربي محبّة من يربّيهم إلا من باب محبّة الله له ورضاه عنه.
فوضى الداخل تُفسد كل إصلاح
وقد لخّص الأديب مصطفى صادق الرافعي المسألة في عبارة نافذة: «إنّ أكبر الخطأ أن تنظّم الحياة من حولك، وتترك الفوضى في قلبك». فمن أراد أن يُصلح ما حوله دون أن يرتّب ما بداخله، سلك طريقًا لا يؤدّي إلى نتيجة؛ وإن بدت له بعض ثمار، فهي على حساب نفسه التي أهمل تزكيتها. فالإنسان لا يُصلح الحياة من حوله وهو صاحب قلبٍ خرب؛ لأن فوضى النفس لا تصنع من صاحبها مؤثّرًا ولا مصلحًا.
خاتمة
قبل أن تسأل: كيف أُصلح طلابي؟ اسأل: كيف حالي أنا مع الله؟ فالصلاح زاد الإصلاح، والعبادة طريق القيادة؛ ورحم الله الإمام البنا يوم قال: «كونوا عبّادًا قبل أن تكونوا قوّادًا، تصل بكم العبادة إلى أحسن قيادة». فابدأ بنفسك؛ فما أصلحته في سرّك، يظهر أثره في من تربّيهم من حيث لا تحتسب.
اقرأ أيضًا: التجرد في حياة المربي: أن تخدم الرسالة لا أن تستخدمها
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.