الربانية من أخص خصائص منهج الدعوة، وهي سر التماسك لبنائها، والناظر لمنهج الإمام البنا -رحمه الله- يجده مليئ بمعانى الربانية التى حرص على غرسها فى نفوس أبناء الجماعة، ويحتاج رواد مدرسة الإمام البنا دوما إلى مراجعة معنى الربانية وجعله محورا هاما فى حياتهم، و لو تتبعنا بعض من ربانية منهج الامام الشهيد حسن البنا نجد:-
من أين تبدأ الحكاية؟
يقول الإمام الشهيد في رسالة "دعوتنا في طور جديد": "أما أنها ربانية فلأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا جميعًا أن يتعرَّف الناس إلى ربهم، وأن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانية كريمة تسْموا بأنفسهم عن جمود المادة الصماء وجحودها إلى طهر الإنسانية الفاضلة وجمالها".
الربانية هى محور أهداف الجماعة
من أبعاد الربانية في دعوة الإخوان المسلمين ربانية المصدر، فلا تصدر عن رؤية أو رأي إلا إذا جعلت الإسلام بقرآنه الكريم وسنته المشرفة مصدرها الأول،
يقول الإمام البنا في رسالة المؤتمر الخامس: "يعتقد الإخوان المسلمون أن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، اللذان إن تمسكت بهما فلن تضل أبدًا، وأن كثيرًا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها والشعوب التي عاصرتها، ولهذا يجب أن تستقي النظم الإسلامية التي تحمل عليها الأمة من هذا المعين الصافي معين السهولة الأولى، وأن نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأن نقف عند هذه الحدود الربانية النبوية حتى لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا الله به، ولا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معنا ".
وإذا كان الإسلام هو المصدر الأساس والمنطلق الأول فإن الغاية والمنتهى هي الله تعالى، وهي ما يمكن تسميته بربانية الوجهة والغاية، يقول الإمام في رسالة المؤتمر الخامس:
"إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة وأن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم حتى يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول على حكمها وأنهم ساروا إلى غايتهم في حدود وسيلتهم فوصلوا إلى درجة من النجاح يطمئنون إليها ويحمدون الله عليها".
ربانية العدة فى منهج الإمام الشهيد حسن البنا:- الإيمان والجهاد عـدتنــا
وبين ربانية المصدر والمنهج وربانية الغاية والوجهة تتبدى العُدة والوسائل والآليات، وهي ربانية بامتياز، يقول الإمام البنا ر-حمه الله- في رسالة "الإخوان المسلمون تحت راية القرآن": "عدتنا هي عدة سلفنا من قبل، والسلاح الذي غزا به زعيمنا وقدوتنا محمد رسول الله -ﷺ- وصحابته معه العالم، مع قلة العدد وقلة المورد وعظيم الجهد، هو السلاح الذي سنحمله لنغزو به العالم من جديد.
لقد آمنوا أعمق الإيمان وأقواه وأقدسه وأخلده بالله ونصره وتأييده:﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾[آل عمران:160].
وبالقائد وصدقه وإمامته:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾[الأحزاب:21].
وبالمنهاج ومزيته وصلاحيته:﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾[المائدة:15-16].
وبالإخاء وحقوقه وقدسيته:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾[الحجرات:10].
وبالجزاء وجلاله وعظمته وجزالته:﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾[التوبة:120].
وبأنفسهم: فهم الجماعة التي وقع عليها اختيار القدر لإنقاذ العالمين، وكتب لهم الفضل بذلك، فكانوا خير أمة أخرجت للناس.. لقد سمعوا المنادي ينادي للإيمان فآمنوا، ونحن نرجو أن يحبب الله إلينا هذا الإيمان، ويزينه في قلوبنا كما حببه إليهم وزينه من قبل في قلوبهم، فالإيمان أول عدتنا. كذلك كانوا: صدق جهاد، وعظيم تضحية، وكبير بذل، وكذلك نحاول أن نكون". ا.هـ.
كما يقول الإمام أيضا في رسالة (دعوتنا في طور جديد) تحت عنوان "الله غايتنا":
" فأول أهداف هذه الدعوة أن يتذكر الناس من جديد هذه الصلة التي تربطهم بالله تبارك وتعالى والتي نسوها فأنساهم الله أنفسهم:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة:21].
وهذا في الحقيقة هو المفتاح الأول لمغاليق المشكلات الإنسانية التي أوصدها الجمود والمادية في وجوه البشر جميعًا فلم يستطيعوا إلى حلها سبيلًا، وبغير هذا المفتاح فلا إصلاح.
ربانية المهمة (رهبان بالليل فرسان بالنهار)
بعد أن وضح الإمام الشهيد حسن البنا غاية وخصائص دعوة الإخوان حدد الإمام مهمة الاخوان المسلمون فى رسالة دعوتنا فقال عنها: (عبادة ربكم، والجهاد في سبيل التمكين لدينكم، وإعزاز شريعتكم؛ هي مهمتكم في الحياة، فإن أديتموها حق الأداء فانتم الفائزون، وإن أديتم بعضها، أو أهملتموها جميعًا فإليكم أسوق قول الله تبارك وتعالى:﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾[المؤمنون:115-116].
ولهذا المعنى جاء في أوصاف أصحاب محمد -ﷺ- وهم صفوة الله من خلقه السلف الصالح من عباده (رهبان بالليل فرسان بالنهار) ترى أحدهم في ليله ماثلا في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين و يقول: (يا دنيا غري غيري) فإذا انفلق الصباح ودوى النفير يدعو المجاهدين، رايته رئبالا على صهوة جواده، يزأر الزأرة فتدوي لها جنبات الميدان.
بالله عليك ما هذا التناسق العجيب والتزاوج بين الغريب والمزيج الفريد بين عمل الدنيا ومهامها وشؤون الآخرة وروحانيتها ؟ ولكنه الإسلام الذي جمع من كل شيء أحسنه). رسالة دعوتنا.
الجهاد في دعوة الإخوان
ولقد علموا أصدق العلم وأوثقه أن دعوتهم هذه لا تنتصر إلا بالجهاد، والتضحية والبذل وتقديم النفس والمال، فقدموا النفوس وبذلوا الأرواح،وجاهدوا في الله حق جهاده، وسمعوا هاتف الرحمن يهتف بهم:﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾[التوبة:24].
فأصاخوا للنذير، وخرجوا عن كل شيء، طيبة بذلك نفوسهم، راضية قلوبهم، مستبشرين ببيعهم الذي بايعوا الله به.
يعانق أحدهم الموت وهو يهتف: ركضًا إلى الله بغير زاد.
ويبذل أحدهم المال كله قائلا: تركت لعيالي الله ورسوله.
ويخطر أحدهم والسيف على عنقه:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا عن أي جنب كان في الله مصرعي
كذلك كانوا: صدق جهاد، وعظيم تضحية، وكبير بذل، وكذلك نحاول أن نكون، فالجهاد من عدتنا كذلك.
ونحن بعد هذا كله واثقون بنصر الله، مطمئنون إليه:﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُور﴾ِ[الحج:40-41]. رسالة الإخوان المسلمون تحت راية القرآن.
المناجاة من عدتنا
ويركز الإمام الشهيد حسن البنا –رحمه الله- على صلة الأخ بربه، والخلوة وأثرها في تربية النفوس في رسالة المناجاة فيقول يا أخي: لعل أطيب أوقات المناجاة أن تخلو بربك والناس نيام والخليون هجع، وقد سكن الكون كله وأرخى الليل سدوله وغابت نجومه، فتستحضر قلبك وتتذكر ربك وتتمثل ضعفك وعظمة مولاك، فتأنس بحضرته ويطمئن قلبك بذكره وتفرح بفضله ورحمته، وتبكى من خشيته وتشعر بمراقبته، وتلح في الدعاء وتجتهد في الاستغفار، وتفضي بحوائجك لمن لا يعجزه شيء، ولا يشغله شيء عن شيء، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، وتسأله لدنياك، وآخرتك، وجهادك، ودعوتك، وآمالك، وأمانيك، ووطنك، وعشيرتك، ونفسك، وإخوتك، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.
ولهذا يا أخي وردت الآيات الكثيرة والأحاديث المتواترة في فضل هذه الساعات وتزكية تلك الأوقات وندب الصالحين من العباد إلى أن يغتنموا منها ثواب الطاعات، ولهذا يا أخي حرص السلف الصالحون على ألا يفوتهم هذا الفضل العظيم فهم في هذه الأوقات تائبون عابدون حامدون ذاكرون راكعون ساجدون يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا ويزدادون يقينًا وإيمانًا، ويسألون الله من فضله وهو أكرم مسئول وأفضل مأمول.
تلك بعضا من معانى الربانية أحد السمات الرئيسية لدعوة الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله أردت أن أذكر بها نفسى.
هذه هي أهم أبعاد ومعالم الربانية في دعوة الإخوان كما رسمها مؤسسها، والتي يجب علينا الآن أن نحرص عليها، وأن نتمثلها في أقوالنا وأفعالنا حتى يرتِّب الله -سبحانه وتعالى- لنا عليها ما رتب عليها للجيل الأول الذي كان حريصا كل الحرص عليها، وهكذا يجب أن يحرص كل مسلم وكل جماعة وكل حركة.
.