حكايات تربوية

البيت المسلم

المال يهرب نقرة.. نقرة

المال يهرب نقرة.. نقرة

كان يوسف في عيون من يعرفه نموذجاً للشاب المنضبط. يستيقظ لصلاة الفجر دون تأخير، يصل إلى عمله قبل موعده بدقائق، ويحرص على إخراج جزء من راتبه كل شهر "للادخار" -كما يقول لأمه كلما سألته. كان زملاؤه يستشيرونه في أمورهم المالية، وكان هو نفسه يفتخر بهذه الصورة، يرويها لنفسه كل مساء وهو يطفئ شاشة مكتبه ويغادر إلى البيت.

لكن في البيت حين يُغلق الباب وراءه ويستلقي على فراشه كان يوسف آخر يستيقظ.

ذلك يوسف الثاني لا يصلي الفجر متأخراً فهو لا ينام أصلاً قبل الثانية. يتقلب بين التطبيقات هنا عرض محدود لثلاث ساعات فقط، وهناك إشعار من تطبيق التداول يخبره أن السهم الذي يتابعه تحرك 4%، وهناك سلة شراء تنتظره منذ الأسبوع الماضي تحتاج فقط ضغطة واحدة لتتحول إلى طرد في الطريق. وفي كل مرة كان يقول لنفسه: هذه آخر مرة هذا الأسبوع ثم يضغط.

لم يكن يكذب على نفسه عمداً. كان فقط يعيش في عالمين لا يتقابلان: عالم النهار حيث الوقت بطيء والقرارات تُتخذ بتفكير، وعالم الليل حيث كل شيء جاهز قبل أن يُفكَّر فيه.

جاء يوم خِطبة أخته. اجتمعت العائلة وكان من المفترض أن يساهم يوسف الابن المنضبط بمبلغ معين كان قد وعد به منذ شهور. فتح حسابه المصرفي ليحوّل المبلغ فوجد رقماً لم يتوقعه. حدّث الصفحة ظنّ أن هناك خطأ تقنياً. لم يكن خطأ.

جلس يراجع كشف الحساب سطراً بسطر وكأنه يقرأ سيرة شخص آخر. اشتراك تطبيق تمارين لم يفتحه منذ ثلاثة أشهر، اشتراك مساحة تخزين لصور لا يحتاجها، رسوم شهرية متكررة لخدمة تجريبية نسي أنه فعّلها، وفي الأسفل ثلاث دفعات مؤجلة لمشتريات لا يتذكر تفاصيلها كل واحدة بمبلغ صغير لا يستدعي القلق وحده، لكنها مجتمعة كانت قد ابتلعت مدخراته كلها بصمت.

نظر إلى الرقم النهائي ثم نظر إلى الباب الذي خلفه أهله يجهزون لاستقبال الضيوف وشعر بشيء غريب لم يكن خجلاً من الناس وإنما كان كمن استيقظ من نوم طويل ليجد أن شخصاً آخر كان يعيش حياته دون علمه.

في تلك الليلة بعد أن انتهت الخِطبة وعاد الجميع لبيوتهم جلس يوسف مع والده على سطح البيت كما كان يفعل في صغره حين تثقل عليه مشكلة. لم يقل شيئاً في البداية فقط أخرج هاتفه وأظهر لوالده كشف الحساب.

تأمّل الأب الأرقام بصمت طويل ثم سأل سؤالاً لم يتوقعه يوسف: هل تعرف كل هذه البنود، أم أنك فقط تعرف أنك دفعتها؟

ارتبك يوسف. الحقيقة أنه لا يتذكر أكثر من نصفها بدقة.

قال الأب: في زماننا كان المرء يخرج إلى السوق يلمس نقوده يزن في يده ثقلها قبل أن يفرّط فيها. كان الجسد نفسه يشاركك في القرار. أنتم اليوم تقررون بأطراف أصابعكم فقط والجسد غائب فيغيب معه التفكير

ثم أضاف وكأنه يتذكر شيئاً قرأه منذ سنوات: "النبي ﷺ قال إن العبد لا يُسأل عن ماله سؤالاً عاماً وإنما يُسأل من أين اكتسبه وفيم أنفقه، بالتفصيل... فكّر... لو سُئلت الآن عن كل بند في هذا الكشف، ماذا ستجيب؟

لم يُجب يوسف. لكن السؤال بقي معه أياماً.

بدأ يوسف بعد تلك الليلة تجربة غريبة على نفسه. لم يحذف التطبيقات ولم يقاطع العالم الرقمي كما توقع بعض زملائه حين أخبرهم بقصته متردداً. فعل شيئاً أبسط: قرر أن يوسف الليل يجب أن يصبح هو نفسه يوسف النهار لا شخصاً آخر يستيقظ حين يغفل الأول.

وضع لنفسه قاعدة واحدة: كل شيء يريد شراءه، يضيفه إلى قائمة ولا يضغط "شراء" إلا بعد يومين على الأقل. أزال بطاقته المحفوظة من ثلاثة تطبيقات كان أكثرها استهلاكاً لوقته وماله. وفي مساء كل جمعة خصّص عشر دقائق فقط -لا أكثر- يراجع فيها كل ما خرج من حسابه في الأسبوع بندا بندًا كما كان يفعل في عمله مع تقارير الشركة.

بعد أيام  وجد نفسه يحذف خدمتين لم يكن يحتاجهما. وبعدها تجاهل عرضاً "لفترة محدودة" دون أن يشعر بأي إثارة، فابتسم لنفسه ... بدأ يشعر بثقل القرار من جديد حتى وهو يضغط بإصبعه فقط.

أما تطبيق التداول فلم يحذفه لكنه أوقف الإشعارات، وقرر ألا يفتحه إلا مرة واحدة في الأسبوع بعد قراءة هادئة لا بعد نظرة عابرة بين اجتماعين. اكتشف أن أغلب الفرص العاجلة التي كانت تستدرجه لم تكن سوى ضجيج وأن الأرباح الحقيقية جاءت من قرارات هادئة لا من ردود سريعة.

بعد أشهر وفي خِطبة قريب آخر سأله أحد أبناء عمومته الصغار الذي كان يراه قدوة: كيف توفّر كل هذا المال يا يوسف وأنت لا تكسب أكثر منا؟

ضحك يوسف، وتذكّر ليلة السطح، وتذكّر كشف الحساب الذي كان يخبئ شخصاً لا يعرفه. قال للفتى جملة واحدة لم يشرحها أكثر: المال لا يهرب من جيوبنا دفعة واحدة يا بني، بل يتسرّب منها نقرة بعد نقرة، حتى نرى أننا فقراء فجأة فإذا أردت أن تحرسه فاحرس النقرة لا الجيب.

 

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم