مقالات تربوية

المربي

جهاد الدعوة

جهاد الدعوة

جهاد الدعوة في الإسلام: لماذا هو أعظم من مجرد القتال؟

الجهاد في سبيل الله لا يقتصر على القتال في أرض الميدان فقط، فميادين الجهاد كثيرة، والمقاتل في الميدان يحتاج لمجاهدين آخرين يسندونه ويدعمونه في ساحات الإعلام والدعوة والسياسة والقانون والتكنولوجيا والمال وغيرها من المجالات التي تكمل بعضها بعضًا كما نرى بشكل واضح في مجريات أمور حرب طوفان الأقصى.

وإذا سلطنا الضوء على جانب جهاد الدعوة وجدنا أنه مهمة عظيمة وجليلة ومهمة للغاية، تنزلت بها الآيات، ورويت فيها الأحاديث، وظهرت في سيرة المصطفى -ﷺ- في كل أحواله وفي سائر منازله، ويكفي أنه أول أنواع الجهاد التي نزلت في القرآن حين أمر الله نبيه وهو ما زال في مكة أن يجاهد المشركين بالقرآن الكريم؛ أي بتبليغه وتلاوته والعمل به، فقال الله تعالى:﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾[الفرقان: 52].

فالدعوة إلى الله هي الفريضة العظيمة التي تحقق الفتح الأعظم، فتح القلوب والعقول، وتغيير النفوس والأرواح، وتوجيه السلوك والأعمال.

وهذا الجهاد المبارك، جهاد الدعوة، كان رسول الله -ﷺ- هو أعظم من قام به، وأجلّ من استنفذ فيه جهده وطاقته، ونال في ذلك المرتبة العظمى، والذروة السامقة.

أنواع الجهاد

وصف ذلك ابن القيم -رحمه الله تعالى- بقوله: "كان رسول الله -ﷺ- في الذروة العليا منه - أي الجهاد - واستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده، ولهذا كان أرفع العالمين ذكرًا، وأعظمهم قدراً، وأمره الله - جل وعلا - بجهاد الكافرين من حين بعثه الله، فقال الله تعالى:﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾[الفرقان: 51 - 52]. 

فهذه الآيات نزلت في سورة الفرقان وهي سورة مكية، أمر فيها النبي -ﷺ- بأن يجاهد الكافرين، ولذلك أمر في هذه السورة بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو تبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر الإسلام، كما قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾[التحريم: 9]. 

فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه - وإن كانوا هم الأقلين عدداً - فإنهم أعظم الناس عند الله قدراً".

كلمة الإمام ابن القيم تبين الجوانب العظيمة التي جاهد فيها النبي ﷺ، وهي أولًا: جهاد القلب والجنان، وثانيًا: جهاد الدعوة والبيان، وثالثًا: جهاد السيف والسنان، وكلها ميادين عظيمة توافرت في سيرة المصطفى ﷺ. ونستطيع أن نقول: إنَّ ميدان جهاد القلب والجنان والدعوة والبيان كان ممتدا عبر سنوات بعثة النبي ﷺ.

فقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بجهاد الدعوة خلال الفترة المكية في نحو ثلاثة عشر سنة، ثم واصل مسيرة جهاد الدعوة أيضًا في الفترة المدنية، التي كان يجاهد خلالها أيضا بجهاد السيف والسنان.

فإن الغاية العظمى من هذا الدين والواجب على أتباعه هو إظهاره وإبلاغه وإعلامه، وبيان محاسنه دعوة الناس إليه وإقناع العقول به، وغرس محبته في القلوب، وجعل الناس كلهم يدخلون في دين الله أفواجًا.

ونستطيع أن نقول إن الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- هي التي تربي وتعد المجاهدين في سبيل الله الإعداد المأمول، كما أن أحد أهداف الجهاد إلى الله هو تمهيد الأرض للدعوة إلى الله، أي أن هناك تكامل واضح ومطلوب بين ميدان الدعوة وميدان الجهاد.

بل إن الثبات في ميدان القتال في سبيل الله يكون ناشئًا من التربية والدعوة الإيمانية الجهادية، وإن ميدان الجهاد إنما هو بذل الجهد في مرضاة الله سبحانه وتعالى، وإبلاغ دعوته وتوصيل رسالته إلى جميع الناس في جميع أنحاء الأرض.

آثار جهاد الدعوة

وإن جهاد الدعوة أمره عظيم، وأثره كبير، وهو مكمل ضروري لما يتم وينتج عن ساحة القتال في سبيل الله.

فعندما فُتِحَتْ بلاد إفريقيا يروى أن بعض المناطق انتفض أهلها على المسلمين الفاتحين في أول الأمر وهاجموهم مرة أخرى، ثم مرة ثانية رجع المسلمون وانتصروا ثم تكرر الأمر، حتى أمر العلماء ببناء المساجد، ونشر تعاليم الإسلام، فحينئذٍ لم يكن هناك أي تراجع أو انتقاض، بل زاد الإقبال على الإسلام ومازالت ساحة الإسلام تنتشر في كل بلاد الدنيا بالدعوة إلى الله.

وكانت الدعوة هي الوسيلة الأعظم في نشر الإسلام في بقاع شتى من الأرض دون أن تراق قطرة دم واحدة، وبهذا انتشر الإسلام في معظم بلاد آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا وغيرها.

بل إن نظرة على التتار الذين دمروا العالم الإسلامي من أول شرقه إلى وسطه، واجتاحوا بعد ذلك بغداد إلى غيرها من البلاد، وإلى كيف انتهى بهم الحال إلى أن أسلموا في نهاية المطاف ودخل أكثرهم في دين الله أفواجًا، بعدما اقتنعوا بحجة الإسلام، وتعرفوا على محاسنه، فأصبحوا جندًا في سبيله مجاهدين، بعدما كانوا له محاربين.

وبفضل الله -تبارك وتعالى- فإن إحصاءات الأمم المتحدة في السنوات الأخيرة تقدّم تقريرًا للدين والديانات في العالم، فتقول: إن الإسلام أكثر الأديان انتشارًا على وجه الأرض، وذلك لما في الإسلام من محاسن وحق وخير وتوافق مع فطرة الإنسان.

نسأل الله -عز وجل- أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وأن ينشر الإسلام في ربوعنا، ونسأله -عز وجل- أن يعلي رايته، وأن ينشر دعوته وأن يستخدمنا في دعوته وفي الجهاد في سبيله.

 

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم