مقالات تربوية

المربي

تحويل القبلة بين أربعة أصناف

تحويل القبلة بين أربعة أصناف

﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ...﴾ [البقرة: 143]

لم يكن تحويل القبلة مجرد انتقال مكاني، بل كان مدرسة في التربية الإيمانية والسياسة الشرعية، لقد كان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة في العام الثاني للهجرة حدثًا فاصلًا ومحطة تمحيص كبرى، كشف فيها القرآن الكريم عن معادن الناس وعقائدهم.

أولًا: موقف المؤمنين من تحويل القبلة: 

قالوا سمعنا وأطعنا، قالوا آمنا به كل من عند ربنا، لقد كان المؤمنون هم الذين هدى الله –تبارك وتعالى- ولم يكن تحويل القبلة كبيرًا عليهم فظهرت معالم الإيمان عندهم في التسليم المطلق، واليقين بأن الأمر لله من قبل ومن بعد، فلم يترددوا أو يتشككوا، بل كان لسان حالهم: سمعنا وأطعنا، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ...﴾[البقرة: 143]. 

وروى البخاري: (أن المسلمين في مسجد قباء أتاهم آتٍ وهم في صلاة الصبح فقال: إن رسول الله -ﷺ- قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، فاستداروا وهم في صلاتهم)

ولقد كان للقرآن الكريم منهج في التعامل مع هؤلاء المؤمنين الذين صدقوا الرسول -ﷺ- فيما بلغ وأطاعوا الله فيما أمر فأذعنوا لأمر الله تعالى في المبدأ والمنتهى فمنحهم تلك الهدايا الإيمانية

الرفع من شأنهم: فقد وصفهم الله بأنهم ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾[البقرة: 143]، أي عدولًا وخيارًا، ليكونوا شهداء على الناس فخاطب الله المؤمنين مُبينًا فضلهم: كما أنعمنا عليكم بالهداية للدين، وللقبلة الوسط حِسِّيًا ومعنويا مَنَنَّا عليكم بجعلكم الأمة العدول، خيار الأمم كلها؛ مما يؤهلكم للشهادة على الناس جميعًا بحسن البلاغ وصدق الأداء. 

ومن معاني الشهادة: ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: (يُدْعَى نوحٌ يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقال له: هل بلغت ما أرسلت به؟ فيقول نعم فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيُقَال له: مِنْ يشهد؟ فيقول: محمد وأمته فيشهدون أنه قد بلغ فذلك قوله جل ذكره:﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ...﴾) [البقرة: 143]. 

 ومن معانيها أيضا: الشهادة في الدنيا على الناس قال رسول الله ﷺ: (مَنْ أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومَنْ أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض). 

ومن معاني الشهادة: البلاغ، ونقل الوحي، والدين إلى الناس كما تعلموه من رسول الله -ﷺ- وكذلك يشهد الرسول -ﷺ- على الأمة أنهم صدقوه، وآمنوا به، وقد ورد أن أعمال الأمة تعرض عليه، ومن ذلك قوله ﷺ: (أكثروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة عليَّ). فعلى هذا يكون شهيدًا عليهم في حال حياته وبعد مماته. 

إن هذه الشهادة اجتباء واصطفاء من الله لهذه الأمة، وأمانة غالية تتطلب منهم أعباء، وجهادًا؛ ولذلك جاءت مقترنة بتكاليف يلزمهم أن يتحملوها حتى يكونوا أهلًا لها قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾[الحج: 78]. 

والوسطية ليست فقط خلقًا وأدبًا إسلاميًّا، ولكنها منهج كامل يميز النظام الإسلامي، ويشمل الوسطية المكانية في العالم، والوسطية الزمانية وقت اكتمال العقل البشري، ووسطية التفكير، ووسطية الاعتقاد، بلا إفراط، أو تفريط، ووسطية التكاليف بلا مشقة، أو تهاون؛ وبالجملة فالوسطية شعار المنهج الإسلامي في كل أموره. 

الطمأنينة النفسية: فقد خشي المؤمنون على صلوات إخوانهم الذين ماتوا قبل التحويل، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ...﴾[البقرة: 143]، أي صلاتكم، ليربط على قلوبهم

وجاءت الآية لتؤكد للمسلمين أنهم على الحق في أمر القبلة وغيره من الأمور وما شرع الله القبلة الأولى إلى بيت المقدس إلا ليعامل الناس معاملة المختبر فيظهر من يتبع الرسول -ﷺ- حيث توجه، ممن ينقلب على عقبيه، وإن كان أمر القبلة الأول لشاقًّا إلا على مِنْ هدى الله، وهذه حكمة تشريع القبلة الأولى. أما الذين ماتوا وهم يصلون تجاه بيت المقدس فما كان الله –تعالى- ليضيع ثواب ما عملوا، فهو سبحانه رؤوفٌ في رفع الضر، رحيمٌ في الإحسان والإنعام. إن تحويل القبلة ما هو إلا أثر من آثار رحمة الله –عز وجل- بالمؤمنين فقد كان النبي -ﷺ- كثيرا ما يُقَلِّبُ نظره في السماء انتظارًا للوحي، وترقُبًا لما يتوقعه؛ فأعلمه الله –جلَّ وعلا- وأجابه إلى مراده، الذي لم يُصَرِّح به، ووجهه للقبلة التي يرتضيها، وأمره أن يولي وجهه تلقاء البيت الحرام، وليس الحكم خاصًّا به -ﷺ- ولا خاصًّا بمكان دون مكان، وإنما هو عام للمؤمنين جميعًا، حيث كانوا يولون وجوههم تلقاء المسجد الحرام: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾[البقرة: 144]. 

بيان الحكمة: 

لقد أعاد الله –تبارك وتعالى- الأمر باستقبال القبلة من أي مكان خرج المرء، وفي أي موطن حلّ؛ ليعلم الجميع أن هذا الحكم لا يختص بمكان دون مكان، وهذه التولية حق من الله –عز وجل- لا تُنْسَخ، أما المعاندون والمجادلون فإن الله –جل وعلا- سيحاسبهم وما ربك بغافل عن أعمالهم. 

وجاء الأمر الثالث بتولية الوجه نحو المسجد الحرام، وفيه الجمع بين خطاب النبي -ﷺ- وخطاب المؤمنين لبيان حِكَم التحويل وهي: 

أولًا: لئلا يكون للمجادلين في أمر القبلة حجة على المسلمين؛ فاليهود يعلمون من كتبهم أن قبلة المسلمين الكعبة، والمشركون من ورائهم يرون أن النبي -ﷺ- الذي يحيي ملة إبراهيم -عليه السلام- لا يستقبل غير بيت ربه الذي بناه، وكان يصلي هو وإسماعيل -عليهما السلام- إليه لكن الظالمين أنفسهم يحتجون بالحجة الباطلة جهلًا وعنادًا فلا تخشوهم لتهافت كلامهم، واخشوا ربكم واتبعوا أمره. 

ثانيا: إتمام نعمة الله على المسلمين بتفرد قبلتهم في بيت ربهم المحرم مثابة للناس ومهوى الأفئدة وموئل عز العرب وشرفهم وبهذه النعمة أعطى الله المسلمين مالم يعط بني إسرائيل ولذلك فهم يحسدون المسلمين على نعمة القبلة قال رسول الله ﷺ: (إنهم لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى قولنا خلف الإمام آمين)

ثالثا: أن تحصل للمؤمنين الهداية التي ضلت الأمم عنها وأن تكون هذه الأراجيف عونا للمؤمنين على معرفة الحق ونبذ التقليد

ونعمة تحويل القبلة متصلة اتصالا وثيقا بنعم قبلها مثل نعمة إرسال رسول كريم -ﷺ- منهم يتلوا عليهم آيات القرآن ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: (تركنا رسول الله وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكّرنا منه علمًا). وما جزاء هذه النِّعَم إلا أن تذكروا ربكم بالقلب، واللسان، والجوارح؛ فيكون ثوابكم أن يذكركم ربكم، وهو الغني عنكم، وأن يشكروا له نعمه ولا يكفروها. 

ثانيًا: موقف المشركين من تحويل القبلة: 

رأى مشركو مكة في هذا التحول فرصةً للطعن في دين الرسول ﷺ، فزعموا أنه بدأ يعود إلى قبلة آبائهم وسيتبع دينهم لاحقًا فأطلقوا حملة التشكيك والشماتة، فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا، يوشك أن يرجع إلى ديننا، فما رجع إلينا إلا أنها الحق. 

 فحسم الله –سبحانه- الأمر بأن الملك لله والجهات كلها له: ﴿قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[البقرة: 142]. إن التوفيق إلى الهداية من الله –تعالى- وليست لأحد من الناس، ولو كان نبيًّا مرسلًا. 

وهنا تظهر ضرورة تميُّز الأمة الإسلامية في شعائرها عن المشركين؛ فالتبعية في القبلة كانت ستعطي المشركين حجة بأن الإسلام فَرْعٌ من وثنيتهم، فجاء التحويل الأول إلى المسجد الأقصى لقطع هذه التبعية، فلما تميزت عقيدة المسلم وتحررت، وتخلصت لله –عز وجل- ردهم الله إلى قبلة بيته الحرام. 

ولقد كان القرآن الكريم حريصًا على إبطال حجتهم قال تعالى:﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ...﴾[البقرة: 150]. فبتحويل القبلة، قُطِعَتْ حجة المشركين الذين قالوا: يُخالف ديننا ويتبع قبلتنا. 

ثالثًا: موقف اليهود من تحويل القبلة:

كان اليهود يأملون أن يظل المسلمون يتوجهون نحو بيت المقدس؛ ليثبتوا أن دينهم هو الأصل، فلما تحولت القبلة، أثاروا الشبهات لعلمهم أن القبلة هي الكعبة في كتبهم. 

فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟، وأرادوا بذلك إرباك المسلمين فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله، لو كان نبيًّا لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء، إن طعن اليهود في القبلة ما هو إلا واحد من طعنهم على الإسلام ونبيه -ﷺ- فهؤلاء يعرفون النبي -ﷺ- بأوصافه كما يعرفون أبناءهم، لكن الفريق الذي لم يؤمن يكتم الحق الذي يعرفه مع علمه بالحق، وبعقوبة الكتمان، فلا تترددوا أيها المؤمنون فأنتم على الحق المبين. 

إن أهل الباطل قد يملكون العلم -فهم يعرفون أن الكعبة هي القبلة الحق في كتبهم- لكنهم يفتقرون للإنصاف، فحملهم العناد على الجدال والمغالطة، وإثارة الشبهات؛ بدل الإيمان والاتباع.

إن اليهود المعاندين يعلمون يقينًا أن تحويل القبلة حق من عند الله –تبارك وتعالى- لكنها معرفة ذهنية مجردة لا تغير في سلوكهم شيئًا، والله –عز وجل- مُطَلِعٌ عليهم، وسيجازيهم على إنكارهم، وحتى لا يتوهم متوهم باستجابتهم  بعد معرفتهم بيّن الله –جل وعلا- لنبيه -ﷺ- أن امتناعهم ليس امتناع مشتبه يطلب اليقين؛ بل امتناع جاحد مستكبر، فلو أتاهم بآيات متتابعة، وحجج قاطعة لما تبعوا قبلته عنادًا واستكبارًا. وما كان للنبي -ﷺ- أن يتبع قبلتهم لضلالهم ولوا اتفقوا على رفض قبلتك فهم مختلفون، ولن يترك أحدهم قبلته ليتبع قبلة الآخر؛ فقد اختلفت قلوبهم. ويحذِّرُ الله –سبحانه- النبي -ﷺ- والمؤمنين من بعده من أهواء هؤلاء المعاندين بعد بيان البرهان على استكبارهم وعنادهم؛ لأن اتباعهم على هذا الحال ظلم بَيِّنٌ، ووضعٌ للحق في غير موضعه. 

ولقد اتبع الله –تبارك وتعالى- معهم منهجًا فريدًا أفسد خطتهم، وأبطل حجتهم؛ فوصفهم الله -عز وجل- بالسفهاء قبل وقوع الحدث: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ...﴾[البقرة: 142]. والسفاهة خلق يوجد مع البعد عن منهج الله –جل وعلا- ومن أعراضه الخوض فيما لا طائل من ورائه، والتكلم في أمور المشيئة الإلهية بجهل وضلال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾[البقرة: 145].

كما فضحهم مُسْبَقًا فأخبر الله –سبحانه- عما سيقولونه قبل أن يقولوه بقوله تعالى:﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]. ليفقد طعنهم قيمته ويظهر للمسلمين أن عدوهم مكشوف مكره.

وقطع جدالهم: فبيّن الله أن جدالهم ليس طلبًا للحقيقة، بل عنادًا: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ...﴾[البقرة: 145].  

ثم جاء بحجة أخرى عليهم في شأن القبلة وهي: أن لكل أمة من الأمم وجهة تتوجه إليها في صلاتها، فإذا كان الأمر كذلك فلم الاعتراض على قبلة المسلمين، إن الأولى بالانشغال إن كنتم على الحق فعلًا أن يتسابق الكل بالحرص على فعل الخير؛ فاستبقوا الخيرات أيها المسلمون، ولا تشغلكم الشبهات عن القربات، فكما جمعكم الله عز وجل للقبلة أينما كنتم، فكذلك يجمعكم ليوم الجمع أينما تكونوا: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[البقرة: 148].

رابعًا: موقف المنافقين من تحويل القبلة:

كعادة المنافقين في كل محنة، استغلوا الحدث لبث الفرقة والشك والتذبذب والارتياب، فزعموا أن النبي -ﷺ- متخبط في أمره، فقالوا: ما ندري أين يتوجه محمد إن كانت القبلة الأولى حقًّا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل، وذلك بهدف زعزعة إيمان ضعاف النفوس. 

لذلك اقتضت الحكمة الربانية أن يكون التحويل اختبارًا يكشف نفاقهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ...﴾[البقرة: 143]، إن الأزمات والتحولات الكبرى هي مختبرات الإيمان. فالمنافق يظهر في الرخاء، لكنه يسقط عند أول اختبار للطاعة والمخالفة لما ألفه الناس. 

فعاملهم القرآن الكريم بما يستحقون من المكاشفة والصراحة: فسمى الله هذا الحدث كبيرة (أي شاقة وصعبة) إلا على المهتدين:﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ...﴾[البقرة: 143]. 

والغربلة والتمحيص: فجعل الله التحويل وسيلة لتمييز الصفوف، ليعلم الرسول -ﷺ- مَنْ يتبعه بصدق ومَنْ يتبع مصلحته أو عاطفته: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ...﴾[البقرة: 143].

لقد كان تحويل القبلة بمثابة "غربلة" للصف المسلم، حيث تميز فيه المؤمن الصادق بيقينه، عن الكافر والمنافق والجاحد بجهله وعناده، لتظل الكعبة المشرفة رمزًا لوحدة الأمة، وإيمانها، واستقلال عقيدتها، وشخصيتها الدينية. 

إن تحويل القبلة يرسخ مفهومًا واحدًا: إن الإسلام هو الاستسلام. فبين طاعة المؤمنين، وعناد اليهود، وشماتة المشركين، وتذبذب المنافقين، يظل القرآن الكريم هو الميزان الذي يضبط حركة المجتمع المسلم، ويحفظه من التأثر بالشبهات، مُوجِّهًا القلوب قبل الأبدان نحو وجهة واحدة هي رضا الله عز وجل .

 

.

خالد عبدالحكم

كاتب حر، وداعية إسلامي، ماجستير البلاغة والنقد الأدبي، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم