حكايات تربوية

البيت المسلم

امرأة شفيت من داء المقارنة

امرأة شفيت من داء المقارنة

كانت ليلى امرأةً تعرف تفاصيل الأحياء كما يعرف الناس خطوط كفوفهم؛ تمرّ بعينيها على البيوت واحدًا واحدًا، وكأنها تُحصي ما ينقصها لا ما يملك غيرها.

كانت تلتقط من النوافذ صورًا لأسقف ترتفع، ولسلالم تلمع، ولأبواب تُفتح على عوالم واسعة لا مكان لها في بيتها الضيق.

لم يكن الأمر مقتصرًا على الجيران فقط.

كانت المقارنات تلاحقها في كل مكان

في زيارات العائلة، في جلسات الصديقات، في حفلات الأعراس التي تصطف فيها الابتسامات مثل واجهات محلات، وفي المناسبات التي تُرتَّب فيها السعادة كما تُرتَّب المائدة… بتكلفٍ أكثر مما تحتمل.

كانت تخرج من كل مناسبة بقلب أثقل،

ليس لأن الناس يملكون أكثر…

بل لأنهم يُظهرون أكثر.

ابنة خالتها التي تسافر كل شهر،

صديقتها التي تلتقط صورًا في مطاعم لامعة،

وقريبتها التي تغيّر أثاث بيتها كل عام…

كل واحدة منهن كانت تصبح مرآة جديدة تخدش شعور ليلى بما لا ينقصها فعلًا لكن بعين يرهقها النظر.

وبعد كل لقاء، كانت ليلى تعود إلى بيتها كما يعود الغريب إلى دارٍ ليست داره.

تجلس على الأريكة وتقول في سرّها

كيف استطعن؟ وكيف لا أستطيع؟

غاب عنها أن الصور التي تلمع أمامها ليست الحقيقة،

وأن المشاهد التي تراها ليست حياة،

بل ستائر تُرفع حين يأتي الضيوف وتُسدل حين يغادرون.

لم تكن تتمنى الشرّ لأحد؛ كانت فقط أسيرة سؤال صغير…

سؤال يبدأ بهمس وينتهي كشوكة

ولمَ ليس بيتي مثل بيتهم؟ ولم أنا لست مثلهم ؟

ذلك السؤال على صغره كان يلتقط في صدرها مساحة أكبر مما ينبغي فيتصفّد ضيقًا لا يعرف مصدره زوجها ولا تفهمه ابنتاها.

لكن شيئًا حدث في مساء بعيد.

لم يكن حدثًا كبيرًا… بل مجرد انقطاع للكهرباء.

ذلك الانقطاع الذي لم يدم إلا دقائق لكنه كان كافيًا ليرفع الستائر عن شيء في داخلها.

جلست في العتمة لا ترى من بيتها إلا خطوطًا باهتة.

ولأول مرة لم تلمح الأثاث القديم بل شعرت أن الظلام يساوي بين كل شيء…

بين الغرفة الضيقة والقاعة الفخمة،

بين اللمبة الصفراء والثريا اللامعة،

بين بيتها وبيوت الجيران وما يملكه الأصدقاء والأقارب.

في الظلمة كانت الأشياء تستوي لكن هي لم تستوِ بعد.

في العتمة ترى في خيالها كل الوجوه التي قارنت نفسها بها

الجارة، والصديقة، والقريبة، والتي مرّت مرورًا سريعًا في مناسبة لم تتكرر.

كانت الوجوه تتداخل وتتشابك حتى بدت لها مثل سوقٍ مزدحم داخل رأسها…

ثم فجأة خمدت الأصوات.

سكتت الصور.

وتبخر صخب المقارنات.

عندها فقط سمعت قلبها لأول مرة منذ سنوات.

كان يقول لها بصوت بلا كلمات

إن المشكلة لم تكن فيما يملكه الآخرون…

بل في المكان الذي تضعين أنتِ فيه نفسك.

وأن ما يثقل روح الإنسان ليس قلة ما بين يديه،

بل كثرة ما ينظر إليه.

أغمضت عينيها وإذا بصوت آخر داخلها يناديها لا ليعظها… بل ليكشف لها شيئًا صغيرًا ظلّ محجوبًا عنها

أنها لم تكن تسكن بيتًا ضيقًا…

كانت تسكن نظرةً ضيقة.

وحين عاد الضوء أحسّت أن شيئاً في قلبها لم يعد كما كان.

نظرت إلى بيتها لا بعين المقارنة بل بعين جديدة…

عين لا تقيس الأشياء بما عند الآخرين بل بما تستطيع أن تعطيه هي.

اقتربت من رفّ قديم فمررت عليه بيدها ببطء، كما لو كانت تربّت على كتف صديق نسيته.

أعادت ترتيب الزوايا لا لأنها تريد مجاراة أحد بل لأنها أدركت فجأة أن الأشياء البسيطة تستحق أن تُرى.

حين عاد الضوء بدا بيتها كما هو…

لكن عينيها كانتا جديدتين.

صارت ترى الأشياء بلا مقارنات،

وترى ذاتها بلا ضوء الآخرين.

في الأيام التالية لم تغيّر ليلى أثاثًا

ولم تشترِ شيئًا

ولم تُغلق بابًا في وجه أحد.

كانت فقط قد غيّرت مسافة النظر.

صارت تبتسم في المناسبات حين تمتلئ الطاولات وتلمع الثياب،

لا لأنها تملك مثلها،

بل لأنها لم تعد تقيس حياتها بها.

وصارت تنظر للأقارب والأصدقاء لا كواجهات تُقارن بها،

بل كعابرين لكل واحد منهم قصة أثقل مما يبدو،

ونقصٌ لا يظهر في الصور،

وجرحٌ مغطّى بابتسامة.

وفي صباح اليوم التالي فتحت النافذة ذاتها التي كانت سبب مرضها…

لكنها لم تنظر إلى الخارج.

أبعدت رأسها قليلًا ونظرت للداخل.

كانت تلك اللحظة رغم بساطتها تشبه صلاة بلا كلمات

وقفة قصيرة يُوزَن فيها القلب أكثر من الحجر،

ويُقاس فيها البياض بما يغسله الداخل لا بما يعلّقه الخارج.

بعد أسابيع زارتها جارتها سعاد. التي كانت ليلى تحزن كلما نظرت إلى بيتها الفخم.

دخلت البيت ونظرت حولها بدهشة

يا ليلى… بيتك مريح بطريقة لا أستطيع وصفها… ما شاء الله، من أين ابتعتِ هذا الجمال؟

لكن عيناها قالتا أكثر من ذلك. قالتا أتمنى لو كان لدي ما لديك. لم تكن تتحدث عن الأثاث أو المساحة، بل كانت تتحدث عن السلام الذي شعرت به بين هذه الجدران البسيطة.

ابتسمت ليلى وقالت من نافذتي... حين أغلقتها.

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم