مقالات تربوية

بين الإفراط والتفريط.. سورة لقمان تصنع إنسانا متوازنا

بين الإفراط والتفريط.. سورة لقمان تصنع إنسانا متوازنا

في زمنٍ يتقاذف الناشئةَ فيه طرفان: إفراطٌ يجاوز الحدّ، وتفريطٌ يقصّر عنه، تبرز الحاجة إلى منهجٍ يصنع إنسانًا متوازنًا لا يميل مع كلّ ريح. وقد قدّمت سورة لقمان هذا المنهج في أبهى صوره؛ فهي نموذجٌ عمليّ للتربية الإيمانية والخلقية والاجتماعية، قائمٌ على الاعتدال والوسطية، يهدف إلى تشكيل شخصيةٍ مستقيمةٍ متوازنة، واعيةٍ بواقعها ورسالتها. فالتربية الوسطية ليست موقفًا عابرًا، بل قانونٌ قرآنيّ يضبط حركة النفس، وينسّق العلاقات، ويوجّه السلوك، ويرسم طريق النهضة.

 

الوسطية تبدأ من نقاء العقيدة

يبدأ لقمان وصاياه بالتوحيد: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾[لقمان: 13]؛ فالتوحيد أصل الاستقامة، والانحراف العقدي هو الطريق إلى الانحراف السلوكي. فالوسطية تنبع من نقاء الإيمان؛ لأن القلب الذي يستقيم على التوحيد يستقيم على السلوك والخُلق والنيّة والعمل. فمن أراد أن يربّي أبناءه على التوازن، فليبدأ من حيث بدأ لقمان: من تصحيح العقيدة، فهي الجذر الذي تتفرّع منه كلّ استقامة.

 

الدين ليس عزلة

ثم تنتقل السورة إلى برّ الوالدين ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾[لقمان: 14]؛ وفي ترتيب برّ الوالدين بعد التوحيد إشارةٌ بديعة إلى أن الدين ليس عزلة، بل علاقةٌ متوازنة: بين العبد وربّه، وبين العبد وأهله. وهذا لبّ الوسطية: توازنٌ بين العقيدة والأخلاق، وبين العبادة والمعاملات. فالتربية الوسطية لا تُخرّج عابدًا منقطعًا لا يصل رحمه، ولا اجتماعيًّا مقطوع الصلة بربّه؛ بل إنسانًا يوازن بين حقّ الله وحقّ الخلق.

 

ليس كلّ خلافٍ خصومة

ومن أرقى دروس الوسطية في السورة قوله:﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾[لقمان: 15]. فهي قمّة الوسطية؛ إذ تجمع بين الثبات على الحقّ والإحسان في السلوك. وهذا درسٌ تربويّ عظيم نغرسه في أبنائنا: أن ليس كلّ خلافٍ خصومة، ولا كلّ اختلافٍ قطيعة. فالابن المتوازن يثبت على مبدئه دون أن يقطع من خالفه، ويحفظ الودّ مع من يعارضه؛ وهذا من أعزّ ما تفتقده أجيالٌ تعلّمت أن الخلاف عداوة.

 

القوّة والرحمة معًا

وتتجلّى الوسطية الذهبية في السورة في جمعها بين القوّة والرحمة؛ فثمّة قوّةٌ في الحقّ:﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ و﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾؛ ورحمةٌ في التعامل: ﴿وَصَاحِبْهُمَا... مَعْرُوفًا﴾ و﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ و﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. فالوسطية ليست ميوعةً تُذيب المبادئ، ولا صلابةً تُنفّر الناس؛ بل قوّةٌ في الحقّ مع رحمةٍ في الأسلوب. ومن ربّى ابنه على هذين الجناحين، بنى إنسانًا راشدًا: قويًّا في مبادئه، رحيمًا في تعامله.

 

تدرّجٌ لا قفز

ويلاحظ المفسّرون أن ترتيب وصايا لقمان ــ من العقيدة إلى العبادة إلى الأخلاق إلى السلوك الاجتماعي ــ منهجٌ متدرّج حكيم، لا قفزٌ نحو الكمال دفعةً واحدة. فالوسطية نفسها تقتضي التدرّج في البناء؛ فلا نحمّل الابن فوق طاقته، ولا نطلب منه كمالًا فوريًّا، بل نبني فيه القيم لبنةً لبنة على قدر نموّه.

 

خاتمة

الوسطية والاستقامة ليستا كلماتٍ جميلة، بل منهج حياةٍ قدّمته سورة لقمان في أعظم لوحةٍ تربوية. فالابن الذي ينشأ على الاعتدال، ويتربّى على التوازن، ويتعلّم ضبط نفسه، يصير قادرًا على قيادة ذاته وأسرته وأمّته. وما تحتاجه الأمّة اليوم ليس كثرة الأبناء، بل جودتهم؛ أبناءٌ يحملون وسطية القرآن التي تبني الأمم وتنهض بالحضارات.

 

 

اقرأ أيضًا: حق الأم الذي قرنه الله بشكره

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم