كان سليم يعرف أن هذه الليلة مختلفة. شيء في الهواء، في صمت البيت الثقيل، في طريقة تنفسه المتقطع، كان يهمس له أن شيئًا ما على وشك أن ينكسر.
جلس على حافة السرير في الظلام. بجواره، تتنفس زوجته سلمى بانتظام، لكنه يعرف أنها لا تنام. يعرف من سنوات زواجهم الخمسة عشر كيف يبدو نومها الحقيقي. هذا ليس نومًا. هذا استسلام مؤقت لليأس.
نهض بهدوء، خرج إلى الصالة. القمر يتسلل من بين الستائر، يرسم خطوطًا شاحبة على الأرض. وقف أمام النافذة، يحدق في المدينة النائمة تحته.
كم مرة وقف هنا؟ كم ليلة قضاها هاربًا من السرير إلى هذه النافذة، يحاول أن يهرب من نفسه؟
ثلاثمائة وخمسون ألفًا.
الرقم يطارده في كل مكان. في المنام واليقظة. يراه مكتوبًا على الجدران، يسمعه في ضحكات أطفاله، يتنفسه مع كل شهيق.
ثلاثمائة وخمسون ألف حجر على صدره.
متى ستكف عن الهرب؟
صوتها جاء من الظل خلفه. لم يستدر. لم يستطع.
لست أهرب.
بل تهرب. منذ سنوات وأنت تهرب. تهرب مني، من نفسك، من الحقيقة.
صمت طويل.
تعرفين...
نعم أعرف.
استدار فجأة.. كيف؟
ابتسمت ابتسامة حزينة... أتظن أن المرأة لا تعرف؟ أتظن أنني لم ألحظ كيف تذبل أمامي يومًا بعد يوم؟ كيف تختنق كلماتك قبل أن تخرج؟ كيف تحتضن أطفالك وأنت غائب؟
اقتربت منه وقفت أمام النافذة نفسها... كنت أنتظر... أنتظر أن تجد الشجاعة لتخبرني.
خفت.
ممَّ؟
أن تحتقريني.
ضحكة خافتة فيها ألم أكثر من سخرية.. أتحسب أنني أحبك لأنك كامل؟ أنا أحبك لأنك إنسان والإنسان يخطئ ويسقط ويضيع لكنه يقوم أيضًا.
أشعلت المصباح. النور أذاه. كان يفضل الظلام حيث لا ترى الأشياء بوضوح.
أحضر الأوراق.
أي أوراق؟
كل الأوراق. كل ما تخبئه في الدرج المقفل كل الفواتير التي تهرب منها أحضرها.
تردد.
الآن.
كان في صوتها شيء لا يُعصى ليس قسوة بل حزمًا ممزوجًا بحنان غريب.
أحضر الأوراق... كومة من العار والخوف والخجل. كل ورقة فيها رقم يصرخ.
جلست على الأرض فرشت الأوراق أمامها كأنها تفرش خريطة لحرب قادمة.
ثلاثمائة وخمسون ألفًا.
قالها بهدوء، كمن يقرأ نبوءة قديمة.
نعم.
كيف؟
جلس أمامها أخذ يروي ليس بتبريرات بل بصدق عارٍ.
قرض للسيارة لأنه أراد أن يظهر أمام زملائه بمظهر أفضل. بطاقة ائتمانية لأنه ظن أن السعادة تُشترى. قرض آخر ليسدد القرض الأول... دوامة.
كنت أدفع لكي أشعر.
تشعر بماذا؟
بأنني موجود بأن لي قيمة، كل شيء من حولنا يصرخ: اشترِ استهلك كن أفضل، امتلك أكثر، ولا أحد يقول كن نفسك.
نهضت فجأة... قم.
إلى أين؟
قم للوضوء.
نظر إلى الساعة.. الآن؟ لم يؤذن الفجر بعد.
أعلم أن الفجر لم يؤذن بعد
توضأ... الماء البارد على وجهه كان صفعة رقيقة أيقظته.
فرشت سجادتين جنباً إلى جنب في الصالة.
صليا... لا يعرف كم ركعة. كان يصلي ويبكي. يركع ودموعه تغسل السجادة.
في السجدة الأخيرة همس... يا الله.... تهت.
صوتها جاء من السجدة المجاورة... نحن تهنا.
لا أعرف الطريق.
سنجده معاً.
بعد الصلاة جلسا وبينهما كومة الأوراق.
قالت هل تعرف ما المشكلة الحقيقية؟
الديون.
لا. المشكلة أنك كنت تواجهها وحدك.
هذه مهمتي .. هذا دوري ... ما ذنبك أنت يا الحبيبة؟!! قالها بود
أخذت ورقة بيضاء رسمت خطًّا في المنتصف هذا أنت وحدك. ثم رسمت دائرة حول الخط وهذا نحن معًا.
الخط يمكن كسره. لكن الدائرة؟ الدائرة لا تنكسر بسهولة.
نظرت إلى الأوراق.. أتعرف ما سنفعله؟
ماذا؟
سنقلب اللعبة.
لا أفهم.
ابتسمت ابتسامة فيها شيء من الجنون الجميل.. طوال هذه السنوات، الديون كانت تطاردك. الآن سنطاردها نحن.
أيقظت الأطفال الثلاثة قبل الفجر بقليل.
ريم البكر (سبعة عشر عامًا)، ياسين الأوسط (أربعة عشر)، لينا الصغرى (عشر سنوات).
جلسوا جميعًا في الصالة عيونهم نعسة، لكن شيئًا في الجو أيقظهم.
قال سليم: أريد أن أخبركم شيئًا.
صمت.
نحن كعائلة نمر بتحدٍّ.
نظرت ريم بذكاء.. ديون.
ذُهل ! كيف عرفتِ؟
أبي أنا أعيش في هذا البيت أرى كيف تختفي في نفسك. أسمع الهمسات. أشعر بالثقل.
قال ياسين: ولما أطلب شيئًا أرى الخوف في عينيك.
لينا، الصغيرة قالت بصوت هادئ أنا أحلم أحيانًا أننا نهرب من بيتنا.
انهار سليم. بكى أمام أطفاله. لأول مرة، لم يخجل من ضعفه.
سلمى قالت: الآن سنخبركم بالحقيقة كاملة. وسنطلب منكم أن تكونوا جزءًا من الحل.
الحل يولد من الألم
قالت ريم: كم المبلغ؟
ثلاثمائة وخمسون ألفًا.
صفير خافت من ياسين.
لكن قالت سلمى بحزم: هذا الرقم سيبدأ بالانكماش من اليوم.
سأل ياسين: كيف؟
نهضت أحضرت ورقة كبيرة، علقتها على الحائط. كتبت في أعلاه: حرب التحرير.
سنحارب لكن ليس بالسلاح بل بالإرادة.
بدأت تكتب
جبهة الأب:
بيع السيارة (توفير 1800 شهريًا)
عمل إضافي في العطل (1000 شهريًا)
جبهة الأم:
بيع الذهب (15,000 نقدًا)
تدريس القرآن الكريم من البيت (1500 شهريًا)
جبهة الأبناء:
ريم: عمل جزئي بعد الدراسة (800 شهريًا)
ياسين: تقليص مصروف الجيب، المساعدة في البيت
لينا: مسؤولة عن ترشيد الكهرباء والماء
قال ياسين: وأنا؟ أنا أريد أن أفعل أكثر.
ماذا تقترح؟
أستطيع تصليح الأجهزة.. تعلمت من اليوتيوب. أستطيع فتح ورشة صغيرة في البيت.
نظرت سلمى لسليم. ابتسما.
مقبول.
جلسوا حتى الفجر. كل واحد يقترح. يحسبون. يخططون. يحلمون.
لينا قالت: أتعرفون؟ أنا سعيدة.
نظروا إليها مندهشين.
لماذا؟
لأننا الآن معًا. كنت أحس أننا كل واحد في جزيرة. الآن نحن في مركب واحد.
أذن الفجر.
انطلق سليم وياسين للمسجد
بعد الصلاة جلس سليم في سجدة طويلًا.
يشكر ربه
في الصباح بدأ سليم.
اتصل بصديقه في معرض السيارات، عندي سيارة أريد بيعها اليوم.
ذهب إلى البنك... أريد جدولة ديوني.
كلم أخاه.. سأعيد لك المال، لكن امنحني مهلة.
كل اتصال كان يزيح صخرة من صدره.
سلمى باعت الذهب. كل قطعة كانت تحمل ذكرى. سوار من أمها، خاتم من أبيها، عقد من زواجها.
لكنها كانت تبتسم: الذكريات في القلب، لا في الذهب.
السنة التي غيرت كل شيء
مرت الأشهر.
كل جمعة، يجلسون أمام الورقة المعلقة. سلمى تشطب رقمًا، تكتب رقمًا أقل.
بعد سنة وشهرين جلسوا في جلستهم الأسبوعية.
قالت سلمى الدَّين الأخير.
كم؟
خمسة آلاف.
صمت.
وكم عندنا؟
خمسة آلاف ومئتان.
صرخ ياسين: يعني خلصنا؟!
خلصنا.
بكوا... بكوا من الفرح، احتضنوا بعضهم.
لينا قالت الآن نسافر؟
ضحك سليم.. نعم يا حبيبتي. نسافر.
لكن ليس الآن.
الورقة لا تزال معلقة على الحائط حتى اليوم.
حرب التحرير
لكنهم أضافوا تحتها شيئًا ... ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾.
.
د. علي شيخون
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.