خياط الظلال الذي أصبح خياطًا للقلوب
بقلم علي يلماز
في زقاقٍ ضيّق حيث تتشابك حكايات النّاس مثل خيوط العنكبوت القديمة، عاش رجل عجوز اسمه سالم. لم يكن خياطًا عاديًا يصلح الثياب، بل كان خياطًا للظّلال. نعم ظلال النّاس!
كان الأطفال يأتونه حاملين ظلالهم الممزقة من شدّة الجري خلف الفراشات، فيرتقها لهم بإبرة من فضةٍ وخيط من نور. وكانت العجائز تحضر إليه ظلال ذكرياتهنّ البالية، فيخيطها بحنينٍ صامت.
ذات ظهيرة بينما كان سالم يجلس في محله الصغير، دخل عليه رجل يرتدي بدلةً فاخرة، لكن ظلّه كان قصيرًا متقطعًا كأنه يُخفي شيئًا.
قال الرجل: سمعت أنك تخيط الظلال.. ظلي لم يعد يلاحقني!
نظر سالم إلى ظل الرجل ثم قال: ظلك لا يخونك.. أنت مَنْ هربت منه.
أجلس الرجل على كرسي الخياطة العتيق، وبدأت الإبرة الذهبية ترسم على قماش الظل لوحة جديدة. خاط لها خطوات طفولة ضائعة تحت أشجار التين، ولحظات صمتٍ كان يتبادل فيها النظرات مع حمامة على الشرفة، وضحكاتٍ مكبوتة في زوايا فمه.
عندما انتهى نظر الرجل إلى ظله الجديد فوجده أشبه بروحه التي نسيها. لم يكن ظلًا طويلًا متغطرسًا، ولا قصيرًا خجولًا، بل كان ظلًا رقيقًا يرقص مع النسيم.
قال الرجل: كم أدفع لك؟
أجابه سالم: لا شيء.. فقط عدْ كلّ عام لتريني كيف يعيش ظلك.
بعد أيام عاد الرجل إلى محله الفاخر في وسط المدينة، لكن شيئًا فيه قد تغير. أصبح ينظر إلى ظله مرارًا، ويبتسم عندما يرى كيف يلعب مع ظلّ طفلٍ في الشارع، أو كيف يحتضن ظلّ شجرةٍ عجوز.
وفي إحدى الليالي بينما كان يسير تحت القمر، رأى ظلّ سالم يمتدّ بجانب ظله. التفت فلم يجده، لكنه سمع صوتًا همسًا: الظلّ الأمين لا يغادر صاحبه.. إلا إذا هرب صاحبه من نفسه.
بعد سنوات، عاد ذلك الرجل الثري إلى زقاق سالم، لكنه وجد المحلّ مغلقًا. سأل الجيران: أين خياط الظلال؟
قالوا: لقد رحل.. لكنه ترك لك هذه.
أعطوه صندوقًا خشبيًا صغيرًا. عند فتحه وجد بداخله مرآة عتيقة، ومذكرة مكتوبًا على غلافها: لأنّ بعض الظلال تحتاج إلى مرايا.
في المذكرة اكتشف الرجل أن سالم لم يكن يخيط الظلال فقط، بل كان يدوّن حكايات أصحابها. وجد قصته مكتوبةً بتفاصيلها الدقيقة، كيف كان يخاف من ظلّ والده في الصغر، وكيف تعلم أن يختبئ خلف الأرقام والأموال.
وفي آخر الصفحات، كتب سالم:
لم أكن أخيط الظلال.. بل كنت أزرع المرايا في طريق مَنْ يخافون من نظرَة إلى أنفسهم. فالقناعة ليست ظلًا نصنعه، بل هي الشجاعة أن نعيش دون حاجةإلى ظلٍ يُخفي وجوهنا.
منذ ذلك اليوم علّق الرجل المرآة في بيته. لم يعد يخاف من ظله، بل أصبح يصافحه كل صباح..
لأنه فهم أخيرًا أن أغلى أنواع الأرزاق والسعادة هو الذي لا يحتاج إلى ظلٍ يُخبئه.
.
د. علي يلماز
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.