المربي

المربي

أركان تقوم عليها تربية الإنسان الرباني

أركان تقوم عليها تربية الإنسان الرباني

حين نتأمّل كيف يبني الإسلام الإنسان الرباني، نجد منهجًا دقيق الترتيب لا عشوائيًّا؛ فهو لا يطلب العمل قبل أن يؤسّس له علمًا، ولا يكتفي بالعلم دون أن يحرّكه إيمان. وهذا الترتيب نفسه هو ما ينبغي أن يسير عليه المربي في بناء من يربّيهم؛ فمن قلبَ الترتيب أو أهمل ركنًا منه، بنى بناءً مضطربًا لا يثبت.

 

الركن الأول: العلم الصحيح قبل العمل

يبدأ الإسلام بالعلم؛ فلا يكون عملٌ صالح دون علمٍ صحيح يبعث عليه ويصحّحه. وقد قدّم الله العلم على العمل في قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: 19]، فبدأ بـ"اعلم" قبل "استغفر". فالعلم هو الذي يوجّه العمل ويحفظه من الخطأ؛ والعامل بلا علمٍ قد يفسد وهو يظنّ أنه يُحسن، ويتعب في غير طائل.

والمربي مطالبٌ بأن يؤسّس المعرفة الصحيحة في متعلّميه قبل أن يطالبهم بالعمل؛ فيعلّمهم "لماذا" و"كيف" قبل أن يأمرهم بالفعل. فالطفل الذي يصلّي دون أن يفهم معنى الصلاة، والمتعلّم الذي يطبّق دون أن يعي المقصد، يبني على غير أساس. أمّا من عُلّم أوّلًا، فعمله على بصيرة، وثابتٌ لأنه مبنيٌّ على فهم.

 

الركن الثاني: الإيمان محرّك العمل

لكنّ العلم وحده لا يكفي؛ فكم من عالمٍ لا يعمل بعلمه. فلا بدّ من محرّكٍ يحوّل العلم إلى سلوك، وهو الإيمان. فالإيمان والعمل الصالح أمران مقرونان لا ينفصلان؛ الإيمان هو المحرّك والمحفّز، والعمل ثمرته. ولهذا قرن القرآن بينهما في مواضع كثيرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فالإيمان الذي في القلب هو الوقود الذي يدفع الجوارح إلى العمل؛ ومن قوي إيمانه سهل عليه العمل، ومن ضعف إيمانه ثقل عليه وإن علم.

والمربي الحاذق لا يكتفي بأن يملأ عقل متعلّمه بالمعلومة، بل يعتني بإيمانه وقلبه؛ فيحبّب إليه الخير ويعمر قلبه بمحبّة الله، حتى يصير العمل نابعًا من داخله لا مفروضًا عليه من خارج. فالمربي الذي يبني العلم ويهمل الإيمان، يُخرّج من يعلم ولا يعمل؛ والذي يجمع بينهما، يُخرّج من يعمل عن علمٍ وإيمان.

 

الركن الثالث: التدرّج في البناء

وقد تدرّج الإسلام في بناء الربانية عند الفرد؛ فبنى المفاهيم والمراحل بالتدرّج، لا دفعةً واحدة. فبدأ بالأصول قبل الفروع، وبالأهمّ قبل المهمّ، وراعى قدرة المتلقّي ومرحلته. والمربي مطالبٌ بمثل هذا التدرّج؛ فلا يحمّل متعلّمه فوق طاقته، ولا يقفز به إلى مرحلةٍ قبل أن يتقن ما قبلها. فالبناء المتدرّج راسخ، والمستعجل هشّ.

وقد نبّه الإمام الشافعي رحمه الله إلى خطر تجاوز هذا التدرّج فقال: "إذا تصدّر الحدثُ فاته خيرٌ كثير"؛ أي من تعجّل مرحلةً قبل أوانها، وتصدّر قبل أن يستكمل أدوات بنائه، حُرم خيرًا كثيرًا. فاستكمال أدوات التكوين على مهلٍ خيرٌ من التعجّل الذي يُفوّت.

 

الأركان الثلاثة معًا

وانظر كيف تتكامل هذه الأركان: علمٌ يوجّه، وإيمانٌ يحرّك، وتدرّجٌ يرسّخ. فالعلم بلا إيمانٍ معرفةٌ جامدة، والإيمان بلا علمٍ حماسةٌ قد تضلّ، والاثنان بلا تدرّجٍ بناءٌ متسرّع يتصدّع. ومن جمعها المربي في منهجه، بنى إنسانًا ربانيًّا متكاملًا: يعلم فيعمل، ويعمل عن إيمان، وينمو على تدرّجٍ ثابت.

 

خاتمة

إذا أردت أن تبني إنسانًا ربانيًّا، فاتبع ترتيب الإسلام في بنائه: أسّس العلم الصحيح أوّلًا، ثم اعمر القلب بالإيمان الذي يحرّك العمل، وتدرّج في البناء ولا تتعجّل. فبهذا المنهج المتكامل تُخرّج من يعلم ويعمل ويثبت؛ لا عالمًا لا يعمل، ولا عاملًا على جهل، ولا متعجّلًا يبني على رمل.

 

 

اقرأ أيضًا: الإتقان والثبات: صفتان لا يستغني عنهما مربٍّ
 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم