سلسلة مقالات بحثية تاريخية: قُضَاةُ العَدْلِ: أَعْلَامٌ غَيَّرُوا وَجْهَ الأُمَّةِ
المقال الخامس: شِهَابُ الدِّينِ القَرَافِيُّ، إِمَامٌ مِنْ أَعْظَمِ عُلَمَاءِ المَالِكِيَّةِ وَرَائِدٌ فِي الفِقْهِ ،وَالمَقَاصِدِ
لم تُبنَ الحضارة الإسلامية بالسيوف وحدها، بل نهضت بعقول العلماء الذين جعلوا العلم نورًا، والفقه منهجًا، والعدل أساسًا لصيانة الحقوق، واستقرار المجتمعات، ومن هؤلاء العمالقة يبرز الإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، أحد كبار أئمة المذهب المالكي، ومن أعلام أصول الفقه، والقواعد الفقهية، ومقاصد الشريعة الإسلامية.
وُلد القرافي نحو سنة 626هـ/1228م، وتوفي بالقاهرة سنة 684هـ/1285م، وعاش في عصر شهد تحولات سياسية وازدهارًا علميًّا في مصر. وقد تميز بعمق التفكير، ودقة الاستنباط، والقدرة على التمييز بين المسائل المتشابهة، وربط الأحكام بأدلتها وضوابطها.
ولم يكن مجرد ناقل لأقوال السابقين، بل كان باحثًا مجتهدًا أسهمت مؤلفاته في إثراء التراث الفقهي، ولا سيما في الفروق الفقهية، وأصول الاستنباط ،والتمييز بين الفتوى ،والقضاء.
أولًا: تكوينه العلمي ،ومكانته
برز القرافي في علوم الفقه المالكي وأصول الفقه، وامتاز بقدرته على تحرير المسائل، ومناقشة الأدلة، والكشف عن الفروق الدقيقة بين الأحكام. وقد جعل من البحث العلمي وسيلة لفهم الشريعة فهمًا منضبطًا، بعيدًا عن التسرع ،والتعميم.
ومن أشهر مؤلفاته «الذخيرة» في الفقه المالكي، و«أنوار البروق في أنواء الفروق»، المعروف بكتاب «الفروق»، و«شرح تنقيح الفصول»*في أصول الفقه، و«الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ،وتصرفات القاضي، والإمام».
ثانيًا: كتاب «الفروق»، وعبقرية التمييز
يُعد كتاب «الفروق» من أبرز آثاره؛ إذ يوضح أن تشابه المسائل في ظاهرها لا يعني تماثلها في الحكم، فقد تختلف الأحكام باختلاف العلة، أو الشرط، أو الملابسات المؤثرة.
وتتجاوز قيمة هذا المنهج الفقه إلى القضاء، والقانون ،والتربية، والعلاقات الإنسانية؛ فالحكم العادل يتطلب فهم الواقعة، والبحث عن الفروق المؤثرة، وعدم التسوية بين حالتين مختلفتين.
فالعدل يبدأ من الفهم الصحيح، ويضيع حين تُطبَّق القواعد دون بصيرة.
ثالثًا: «الذخيرة» وموسوعية الفقه المالكي
يمثل كتاب «الذخيرة» موسوعة مهمة في الفقه المالكي، تناول فيها القرافي أبوابًا فقهية متعددة، وعرض المسائل والأقوال والأدلة. ويكشف الكتاب عن سعة علمه وقدرته على الجمع بين التأصيل النظري والتطبيق الفقهي.
وتكمن أهميته في حفظ التراث، وتمكين الباحثين من دراسة تطور الاجتهاد، وفهم كيفية معالجة الفقهاء لمسائل العبادات والمعاملات ،والحقوق.
رابعًا: التمييز بين الفتوى؛ والقضاء
في كتابه «الإحكام»، بحث القرافي الفروق بين الفتوى ،والأحكام القضائية ،وتصرفات الإمام، موضحًا أهمية التمييز بين وظائف العالم، والقاضي ،وولي الأمر.
فالفتوى بيان للحكم الشرعي، والقضاء فصل في الخصومات وفق الإجراءات، والأدلة المعتبرة، أما تصرفات الإمام فتتصل بتدبير الشأن العام ،ورعاية المصالح ضمن الضوابط الشرعية.
وهذا التمييز يساعد على ضبط الاختصاصات، ويمنع الخلط بين الرأي الفقهي، والحكم القضائي ،والتدبير السياسي.
خامسًا: مقاصد الشريعة ،والمصالح
اهتم القرافي بالمصالح ،والمفاسد، والوسائل، والذرائع، وهي موضوعات مهمة في فهم مقاصد الشريعة، وتنزيل الأحكام على الوقائع.
ولا تعني مراعاة المقاصد إلغاء النصوص، أو تعطيل الأحكام، بل تعني فهم الأدلة في إطارها الصحيح، والنظر في غايات التشريع ،وآثار الأفعال، مع الالتزام بالضوابط الشرعية.
سادسًا: العرف، وتغير الأحكام الاجتهادية
أبرز التراث الفقهي المالكي أهمية العرف في بعض المعاملات ،والتصرفات، كما ناقش القرافي مسائل تتصل بتغير الأحوال، وآثارها في الاجتهاد.
فقد تتغير الأعراف التجارية ودلالات الألفاظ وطرائق التعامل، مما يستدعي إعادة النظر في بعض التطبيقات الفقهية التي بُنيت على أوصاف متغيرة، دون المساس بالثوابت الشرعية.
والفقيه البصير هو الذي يجمع بين ثبات الأصول، وفهم الواقع، فلا يجمد حيث يتطلب الأمر الاجتهاد، ولا يغيّر الثوابت بحجة تغير الزمان.
سابعًا: القرافي ،والقرآن، والسنة في ميزان العدل
يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ [النحل: 90].
ويقول سبحانه:﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، [النساء: 58].
وقال رسول الله ﷺ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، (رواه مسلم، رقم 2578).
هذه النصوص تؤكد أن العدل أصل شرعي عظيم، وأن صيانة الحقوق تحتاج إلى العلم، والأمانة، والإنصاف. وهي أصول عامة نستحضرها في دراسة الفكر الفقهي، دون الادعاء بأنها وردت في القرافي خاصة.
ثامنًا: أثره العلمي ،والدروس المستفادة
ترك القرافي أثرًا بارزًا في القواعد الفقهية ،وأصول الفقه والمذهب المالكي، وأسهمت مؤلفاته في تطوير البحث في الفروق، والمقاصد ،والتمييز بين أنواع التصرفات الشرعية.
ومن أهم الدروس المستفادة من منهجه
1) لا تحكم قبل أن تفهم الواقعة فهمًا صحيحًا.
2)لا تجعل الهوى والخصومة بديلًا عن الدليل.
3) ميّز بين الفتوى والقضاء وصلاحيات كل منهما.
4)راعِ المقاصد والأعراف ضمن الضوابط الشرعية.
5) احترم التخصص، وتثبت من المعلومات قبل نشرها.
6) اجعل العلم وسيلة لحماية الحقوق وخدمة الإنسان.
تاسعًا: أبيات شعرية
يا قَرَافِيُّ يا منارَ العُقولِ
قد أضأتَ الطريقَ بالتحقيقِ
فرَّقَ الفكرُ بينَ شبهِ قضايا
فاستقامَ البيانُ بالتدقيقِ
علَّمتنا أنَّ الفقهَ فهمٌ وعدلٌ
ليسَ جمعًا للرأي والتعليقِ
رحمَ اللهُ عالمًا خلَّدَ الذكرى
بتراثٍ يضيءُ دربَ الطريقِ
الخاتمة
إن الإمام شهاب الدين القرافي أحد كبار أعلام الفقه الإسلامي، وقد ترك تراثًا غنيًّا في الفروق الفقهية وأصول الاستنباط، ومقاصد الشريعة. وتكشف مؤلفاته عن عقل علمي يدرك أن المعرفة ليست حفظًا للمسائل فحسب، بل فهمٌ للأدلة، وتمييزٌ بين الوقائع، وإحسانٌ في تنزيل الأحكام.
ونستحضره في سلسلة «قضاة العدل: أعلام غيروا وجه الأمة» بوصفه إمامًا كبيرًا في الفقه والأصول، وصاحب إسهام بارز في الفكر الفقهي والقانوني الإسلامي، مع التنبيه إلى أن شهرته الأساسية علمية وفقهية، لا تقوم على ثبوت توليه منصب القضاء بوصفه أشهر قضاة عصره.
رحم الله الإمام القرافي، وجزى علماء الأمة خير الجزاء؛ فقد حفظوا تراثها، وأثروا عقولها، وتركوا للأجيال مناهج تهدي إلى الفهم الصحيح والإنصاف.
فالعدل لا يحرسه الجهل، والحق لا تثبته الأهواء، والحضارة لا تنهض إلا بعلم راسخ، وعقل منصف، وضمير أمين.
المراجع، والمصادر
1) القرافي، أنوار البروق في أنواء الفروق.
2)القرافي، الذخيرة.
3)القرافي، شرح تنقيح الفصول.
4) القرافي، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، اعتناء عبد الفتاح أبو غدة، دار البشائر الإسلامية، الطبعة الثانية، 1416هـ/1995م.
5) القرآن الكريم: النساء، الآية 58؛ النحل، الآية 90.
6)صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، حديث رقم 2578.
اقرأ أيضًا: ست علامات في طريقة تعليم المربي الرباني
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية