قال رسول الله ﷺ: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجر من اتّبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا" (رواه مسلم). حديثٌ قصير، لكنّه يحمل وعدًا يستحقّ أن يقف عنده كلّ مربٍّ طويلًا؛ فهو يصف اقتصادًا ربانيًّا غريبًا عن كلّ اقتصادٍ بشري: عطاءٌ يتضاعف ولا ينقص أحدًا.
اقتصادٌ لا يشبه اقتصاد الدنيا
في اقتصاد الدنيا، إذا قسّمتَ رغيفًا بين اثنين، نقص نصيب كلٍّ منهما عن الرغيف كاملًا. أمّا في اقتصاد الأجر، فحين يأخذ متعلّمك ما علّمته إياه وينقله لعشرةٍ غيره، يحصل هو على أجر تعليمه العشرة كاملًا، وتحصل أنت على أجر تعليمك إياه العشرة كاملًا أيضًا دون أن ينقص من أجره شيء. فليس أجرك مقتطَعًا من أجره، بل أجرٌ إضافيّ يُمنح لك بسبب أنك كنت أوّل حلقةٍ في سلسلة الخير.
ما الذي يعنيه هذا لعملك؟
يعني أن أثرك كمربٍّ لا ينتهي عند حدود من تراه أمامك. فذلك الطالب الذي علّمته اليوم قد يعلّم غدًا ابنه، وابنه قد يعلّم تلميذًا، وذلك التلميذ قد يبني به مشروعًا ينفع مئات. وأنت لا ترى شيئًا من هذه السلسلة، لكنّ الله يراها، ويكتب لك نصيبك منها كاملًا في كلّ حلقة.
وهذا يعني أيضًا أن أصغر درسٍ قد يكون أعظم استثمارٍ في حياتك. فقد يبدو لك أنك علّمت مسألةً بسيطة لا وزن لها، بينما هي البذرة التي ستُثمر بعد سنين في أناسٍ لم تلتقِ بهم قط.
كيف يُغيّر هذا نظرتك إلى عملك؟
لا تحتقر درسًا صغيرًا. فأنت لا تعلم أيّ كلمةٍ منك ستُحفظ وتُنقل؛ فربّما كانت الجملة العابرة التي قلتها في آخر الحصة هي التي ستبقى في ذاكرة طالبٍ عمره كله.
اطمئنّ حين لا ترى الأثر مباشرة. فكثيرٌ من المربّين يشعرون بالإحباط لأنهم لا يرون نتيجة جهدهم واضحةً أمامهم؛ وهذا الحديث يُطمئنك أن الأثر قد يمتدّ في خطوطٍ لا تراها أبدًا، لكنّها موجودة، وأجرها يصلك.
شجّع من تعلّمه على أن ينقل ما تعلّمه. فلا تكتفِ بأن يحفظ متعلّموك العلم لأنفسهم؛ ادفعهم إلى تعليمه لغيرهم، فبذلك تُضاعف سلسلة الأجر لهم ولك معًا. اجعل من مبادئ محضنك: "كلّ من تعلّم شيئًا، عليه أن يُعلّمه لأخيه".
لا تخشَ أن يتفوّق عليك تلميذك. فحين يتفوّق تلميذك ويعلّم غيره أفضل ممّا علّمتَه، لا ينقص ذلك أجرك شيئًا؛ بل يزيده. فهذا الحديث يقطع جذور الحسد والغيرة التي قد تنبت في نفس بعض المربّين من تفوّق تلاميذهم.
والوجه المقابل: تحذيرٌ لا يُنسى
ولهذا الوعد وجهٌ آخر مؤلم؛ ففي تمام الحديث: "ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل إثم من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا". فكما يتضاعف الخير في سلسلته، يتضاعف الشرّ في سلسلته أيضًا. وهذا يُلزم المربي بمضاعفة الحرص فيما يُعلّمه؛ فكلّ فكرةٍ خاطئة تزرعها في متعلّمٍ، قد تمتدّ بعدك في أناسٍ لا تعرفهم، ويُكتب عليك وزرها كاملًا كما يُكتب لك أجر الحقّ كاملًا.
خاتمة
أنت لا تُعلّم فردًا واحدًا فحسب؛ أنت تُطلق سلسلةً قد تمتدّ أجيالًا. فاحرص أن تكون أوّل حلقةٍ فيها متينة صادقة، فيجري لك أجرها ما امتدّت؛ ولا تحتقر لحظة تعليمٍ صغيرة، فقد تكون بداية خيرٍ لا تعلم مداه. من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجر من اتّبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.
اقرأ أيضًا: خمس دقائق في الليل قد تُغيّر ميزان يومك
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.