يمرّ كل مربٍّ بهذه الحيرة: عنده علمٌ كثير، وأمامه مجلس قصير، وحاضرون من أعمار ومستويات مختلفة. فبماذا يبدأ؟ وماذا يؤجّل؟ وكيف يحفظ ودّ طلابه وحماسهم؟
شروط تسبق العلامات
قبل أن يذكر العلامات يقرر الملف شروطًا ثلاثة للرباني:
- أن يكون عالمًا فقيهًا، والفقه كما يعرّفه الملف "فهم غرض المتكلم من كلامه"، ويستدل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282].
- أن يكون شديد التمسك بدين الله وطاعته.
- أن يكون معلّمًا لغيره، مربّيًا لهم، ويستدل بقول يوسف عليه السلام: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: 23]، ثم يعلّق: "فأحرى بالربانيين أن يحسنوا مثوى طلابهم."
وتأتي الآية الجامعة: ﴿وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79]؛ فالربانية تأتي من العلم والتعليم معًا.
العلامات الست في طريقة التعليم
1) صلب العلم قبل ملحه. الصلب هو الأصل الذي لا يقوم الباقي بدونه، والملح ما زاد وحسّن. فابدأ بما لا غنى عنه: العقيدة الصحيحة، والفرائض، والأخلاق الأساسية، ثم ما بعدها. من بدأ بالمُلَح والطرائف وترك الأصل بنى طلابه على رمل.
2) التدرج. تعطي كل مرحلة ما يطيقه أهلها. ولا تنقل طالبًا إلى درس بعده قبل أن يتمكن مما قبله. ولا تحكم على قصور الطالب بمقياس ما استقر عندك أنت بعد سنوات.
3) المتفق قبل المفترق. ابدأ بما أجمع عليه أهل العلم وما اتفق عليه الناس، ثم ادخل فيما اختلفوا فيه. فإذا بدأت بالخلاف تشتّت طلابك وظنوا أن الدين كله خلاف. ومن الخطأ أن يتعلم الطالب قبل كل شيء مواضع النزاع.
4) التخصيص. لا يمكنك أن تعلم كل شيء في كل وقت لكل أحد. اختر الباب الذي ينفع هذا الجمع الآن، وتخصّص في تقديمه. فطلاب الحلقة غير طلاب الكلية، وأسرة تسأل في الفقه غير مربٍّ شاب يسأل في الدعوة.
5) عدم التكلف. لا تتصنّع غزارةً لا تملكها، ولا تعقّد العبارة لتبدو عالمًا. قل ما تعرف، وقل لا أدري فيما لا تعرف. وقد قال الله لنبيه: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 86].
6) المزج بالرقائق والقصص. التعليم الجاف يثقل القلب، والقلب الثقيل لا يحمل علمًا. فاحرص أن يجد الطالب في درسك ما يرقّق قلبه كما يجد ما يوضّح فكره: آية تهزّه، أو موعظة قصيرة، أو سيرة تعين على الفهم. (ليس هذا دعوة إلى الإكثار من الحكايات، بل أن لا يخلو الدرس من تحريك القلب.)
وقبل هذه الستّ: مطابقة القول للعمل
يبدأ الملف قائمته بعلامة سابقة: "مطابقة القول العمل". فكل ما سبق يضيع إذا رأى الطلاب مربيًا يقول ما لا يفعل. وهذا هو الأصل الذي تقوم عليه العلامات كلها، ويقول الله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3].
سؤال المراجعة
قبل درسك القادم، اسأل نفسك خمسة أسئلة قصيرة:
- ما الأصل الذي لا يجوز أن يخرج الطلاب بدونه اليوم؟
- هل راعيتُ مستواهم؟
- هل بدأتُ بما اتفقنا عليه قبل ما نختلف فيه؟
- هل أقول ما أعرف فقط، بلغة يفهمونها؟
- هل في درسي ما يرقّق القلب؟
خاتمة
المربي الرباني ليس من علم أكثر، بل من علّم بترتيب يبني، ولين يجذب، وعملٍ يصدّق قوله. وقد قال الله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. فاجمع بين العلم والتعليم، واجعل من نفسك المثال الذي تعلّمه.
اقرأ أيضًا: الدين النصيحة
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.