حين تُهمل أمّةٌ نصف طاقتها، فلا عجب أن تعرج في مسيرها؛ فالمرأة نصف المجتمع عددًا، وهي التي تربّي نصفه الآخر، فكأنها المجتمع كله في ميزان التأثير. ومع ذلك ظلّت مكانة المرأة عبر التاريخ ــ وفي كثير من الثقافات ــ متأرجحةً بين طرفين ظالمين: إمّا احتقارٌ يهدر إنسانيتها ويجعلها متاعًا أو تابعًا بلا قيمة، وإمّا غلوٌّ يقحمها في صراعٍ مع الرجل يُفقدها خصوصيتها ويحمّلها ما لا يناسب فطرتها. وبين الطرفين جاء التصوّر الإسلامي ليضع المرأة في موضعها الصحيح: إنسانٌ كامل الكرامة، وشريكٌ في البناء.
أولًا: المساواة في الإنسانية والكرامة
قرّر الإسلام وحدة الأصل الإنساني للرجل والمرأة قرارًا حاسمًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1]. فأصلهما واحد، ونسبهما واحد، وكرامتهما الإنسانية واحدة؛ (النساء شقائق الرجال). والتكليف الديني مشترك، والجزاء مشترك: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾ [آل عمران: 195]. فليست المرأة في هذا الدين درجةً أدنى في الإنسانية، ولا نصفَ إنسان، بل هي والرجل في أصل الكرامة سواء.
ثانيًا: التكامل لا الصراع
لكنّ المساواة في الإنسانية لا تعني تطابق الوظائف؛ فالنهوض بالرجل والمرأة جميعًا يقوم على التكافل بينهما وتحديد مهمّة كلٍّ منهما تحديدًا يناسب فطرته وطاقته. فالعلاقة بينهما علاقة تكامل يشدّ بعضه بعضًا، لا علاقة تنافسٍ يهدم أحدهما الآخر. والمجتمع الذي يُقحم المرأة في صراعٍ مع الرجل ليثبت أنها "مثله تمامًا"، إنما يظلمها مرّتين: مرّةً حين ينكر خصوصيتها، ومرّةً حين يحمّلها عبء أن تكون نسخةً من غيرها بدل أن تكون نفسها. والتكريم الحقّ أن يُعترف لكلٍّ بدوره وقيمته، دون أن يُقاس أحدهما بمسطرة الآخر.
ثالثًا: أثرها الذي لا يُعوَّض
وأعظم ميادين المرأة أثرًا ميدان التربية؛ فهي المدرسة الأولى التي يتشكّل في حجرها وجدان الأجيال. قال الشاعر:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها .. أعددتَ شعبًا طيّبَ الأعراقِ
فمن رحم المرأة يخرج العالِم والقائد والصالح؛ وقد صنعت أمٌّ واحدةٌ ثابتةٌ على الحقّ ــ كأمّ سليم التي ربّت أنسًا على الإيمان ــ عالِمًا نهلت الأمة من علمه قرونًا. فالاستثمار في وعي المرأة وعلمها ودينها ليس شأنًا خاصًّا بها وحدها، بل هو استثمار في الأمة كلها؛ لأن صلاحها يمتدّ إلى كل بيتٍ تشرف عليه وكل جيلٍ تربّيه.
رابعًا: النهوض بها نهوضٌ بالأمة
ولهذا كان تعليم المرأة وتمكينها من أداء رسالتها من أهمّ أسباب نهضة المجتمعات؛ فالمرأة الواعية المتعلّمة المتديّنة تربّي أبناءً أسوياء، وتدير بيتًا متوازنًا، وتشارك في محيطها بما يناسب طبيعتها. أمّا إهمالها ــ تعليمًا وتقديرًا ودورًا ــ فإهدارٌ لنصف طاقة الأمة، وحكمٌ عليها بأن تمشي على ساقٍ واحدة. فالنهوض بالمرأة ليس منّةً نمنّ بها عليها، بل ضرورةٌ لنهوض الأمة نفسها.
خاتمة
المرأة في التصوّر الإسلامي ليست تابعًا مُهدَرًا، ولا ندًّا متصارعًا، بل شريكٌ كريم في بناء الإنسان والمجتمع. فأمّةٌ تريد أن تنهض عليها أن تنصف نصفها الأول، وتُحسن إعداد نصفها الذي يربّي النصف الآخر؛ فبصلاح المرأة يصلح البيت، وبصلاح البيت تصلح الأمة.
اقرأ أيضًا: تكامل لا صراع: كيف نعيد للبيت مودته ورحمته؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.