قبل أن يقول قومُ النبي -ﷺ- عنه "رسول"، قالوا عنه "الأمين". لُقّب بها في جاهليتهم قبل بعثته، حتى إذا جاءهم بالوحي كان رصيده عندهم جاهزًا: ما جرّبوا عليه كذبًا قط. وهذه إشارة بالغة لكل من تصدّى للتربية: أن الرسالة لا تُحمل إلا على ظهر الأمانة، وأن الناس يزنون كلامك بميزان سيرتك قبل أن يزنوه بميزان صحته؛ فالكاذب لا يمكن أن يكون رسولًا، والخائن لا يمكن أن يكون مربيًا.
ذلك أن العملية التربوية كلها تقوم على عملة واحدة اسمها الثقة؛ فالطالب لا يفتح قلبه إلا لمن يثق به، والابن لا يقتدي إلا بمن صدّقه. فإذا ضُبط المربي في كذبة واحدة ــ ولو صغيرة، ولو "لمصلحة تربوية" ــ انكسر شيء لا يُجبر بسهولة، وصار كل كلامه بعدها موضع فحص. ولهذا كان الصدق والأمانة رأس مال المربي الحقيقي؛ يخسر قبلهما كل شيء ويبقى، ويخسرهما فيخسر كل شيء.
أمانة الكلمة
أول أمانات المربي كلمتُه. أن يقول ما يعلم، ويقف عند حد علمه فيقول "لا أدري" حين لا يدري؛ فنصف العلم "لا أدري"، والمربي الذي يجيب عن كل سؤال بأي جواب يعلّم طلابه التزيّد قبل أن يعلمهم المعرفة. ومن أمانة الكلمة ألا ينقل إلا ما تثبّت منه؛ فكفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع، والمربي الذي يمرر لطلابه القصص الواهية والأحاديث التي لا تصح ــ ولو بنية الترغيب ــ يخون أمانة العلم من حيث يظن الإحسان. ومنها أن يصدُق وعده؛ فوعد المربي لصغيرٍ دَينٌ، ومن أخلف وعد طفل علّمه بفعله أن الكلام بلا وزن.
أمانة النشء
والأمانة الثانية أعظم: النشء الذي بين يديه. فهؤلاء الذين يجلسون أمامه كل يوم وديعة استودعه الله وأهلوهم إياها؛ عقولُهم أمانة فلا يحشوها إلا بما ينفع، وقلوبُهم أمانة فلا يغرس فيها غلًّا ولا يكسرها بتجريح، وأسرارُهم أمانة فما اطلع عليه من أحوالهم وأحوال بيوتهم قبرٌ لا يخرج منه شيء، ومواهبُهم أمانة فمن رأى في طالبٍ نبوغًا فكتمه أو أهمله فقد خان وديعته. وقد عرض الله هذه الأمانة أصلًا على السماوات والأرض والجبال ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾؛ فكيف بمن حمل فوق أمانة نفسه أماناتِ جيلٍ كامل؟
أمانة الموقع والمسؤولية
والأمانة الثالثة موقعه ومسؤوليته. فساعة العمل التي يتقاضى عليها أجرًا أمانة، يؤديها بإتقان لا بحضور الجسد وغياب الهمة. والقواعد والأنظمة التي ارتضاها في مؤسسته أمانة، يحفظها ولا يتحايل عليها؛ فالنظام المبني على الأمانة ينجح، وما خُرقت الأمانة في مؤسسة إلا دبّ فيها الشك، وضاعت الثقة بين أهلها، وبدأ الفشل بتبادل الاتهامات. والعدل بين من يربيهم أمانة؛ فلا يقرّب لهوًى ولا يقصي لخصومة، فإن الصغار يشمّون المحاباة قبل أن يفهموها، وتترك في نفوسهم جرحًا باسم المربي.
ثمرة الأمين
والأمين تكافئه سنة الله في خلقه عاجلًا قبل الآجل: شفافيته تريحه فلا يعيش هاجس الانكشاف؛ لأن الضوء لا يكشف منه عيبًا خبّأه. وسيرته تسبقه فيؤثّر في الناس بغير تكلف، ويصبح محبوبًا مأمونًا في حياته وبعد مماته. وأعظم من ذلك: أنه يخرّج جيلًا يشبه خُلُقه؛ فالصدق يورَّث بالمعايشة كما يورَّث الكذب، ومن تربى في كنف أمينٍ صادق، حمل البصمة نفسها إلى حياته كلها.
خاتمة
قد يغفر الزمن للمربي قصورًا في أسلوبه أو نقصًا في وسائله، لكنه لا يغفر له خيانة الثقة؛ فإذا ضُيّعت الأمانة في مقام التربية فانتظر الضياع فيما بعدها. فمن أراد أن يكون أثره صالحًا باقيًا، فليحرس كلمته أن تكذب، ووديعته أن تُهمل، وموقعه أن يُستغل؛ يكتبه الله عنده من الصادقين، ويكتب له في قلوب من ربّاهم ما لا يمحوه الزمن.
اقرأ أيضًا: [التجرد في حياة المربي: أن تخدم الرسالة لا أن تستخدمها] | [المعلم المربي: رسالة الأجيال بين العلم والإيمان والخُلق]
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.