يتردد كثير من الآباء حين يرون ابنهم خجولًا: أهذا حياء محمود، أم ضعف شخصية يحتاج علاجًا؟ وربما قال أحدنا لطفله: "لا تستحِ، كن جريئًا"، ثم تراجع حين لاحظ أن الجرأة وحدها تجرّ إلى وقاحة.
في هذه المسألة حديثٌ فاصل رواه مسلم، ومعه موقف من صحابي جليل علّمنا كيف نتعامل مع الحديث إذا وقع في نفوسنا ما يخالفه.
ما رواه مسلم
روى أبو قتادة قال: كنا عند عمران بن حصين -رضي الله عنه- في رهط، وفينا بُشير بن كعب، فحدثنا عمران يومئذ قال: قال رسول الله ﷺ: "الحياء خير كله"، أو قال: "الحياء كله خير".
فقال بُشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب - أو الحكمة - أن منه سكينة ووقارًا لله، ومنه ضعف.
أي أن بُشيرًا لم يعترض على الحديث صراحة، لكنه أضاف إليه ما وجده في بعض الكتب: أن من الحياء ما هو ضعف.
غضب عمران
قال أبو قتادة: فغضب عمران حتى احمرّت عيناه، وقال: "ألا أرى أحدّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه؟!" وفي رواية: "أحدّثك عن رسول الله -ﷺ- وتحدثني عن صحفك؟"
ثم أعاد عمران الحديث، فأعاد بُشير قوله، فغضب عمران. قال أبو قتادة: فما زلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نُجيد، إنه لا بأس به.
لاحظ أن عمران لم يكن غاضبًا من شخص بُشير، ولا ردّ عليه بجدل طويل، بل من المعارضة نفسها: أن يُقال حديث للنبي ﷺ، فيُقابَل بنص من كتبٍ أخرى. وسبب شدة غضبه أنه أُعيد عليه الأمر مرتين.
درسان من الموقف
الدرس الأول: الحياء خير كله. فلا نجعل الحياء ضعفًا نعالجه. نعم، قد يتحول الخجل الشديد إلى انطواء يحتاج إلى مساعدة، لكن الحياء الذي يمنع صاحبه من القبيح هو بذاته خير. وهذا ما يجب أن نعلمه أبناءنا: أن الخجل من فعل الخطأ شرف، وأن الذي يستحي أن يكذب أو يُسيء أو يكشف عورته ليس ضعيفًا، بل محميّ.
الدرس الثاني: أدب التعامل مع الحديث. لا نقابل كلام النبي -ﷺ- بما "نجده" في الكتب أو الحكمة المأثورة. يقول الملف: "بل إن الصحابة يرفضون أن يعارض أحد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء آخر من الحكمة المأثورة." ولا يعني هذا إغلاق باب الفهم والسؤال، بل أن يكون السؤال بنية الفهم، لا بنية المعارضة.
موقف مالك رحمه الله
ويضيف الملف موقفًا من الإمام مالك: جاءه رجل يسأله عن مسألة، فقال له مالك: قال رسول الله -ﷺ- كذا، فقال الرجل: أرأيتَ؟ (أي: ما رأيك أنت؟) فقال مالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
كيف نربّي أبناءنا على الأمرين؟
- لا تعالج الحياء بالسخرية. لا تقل لابنك: "أنت خجول ضعيف". بل قل: "أحب أنك تستحي من الخطأ، وأريدك أيضًا أن تتكلم بثقة حين تعرف الصواب."
- فرّق بين الحياء والخوف. الحياء منعٌ للنفس من القبيح، والخوف منعٌ لها من الكلام الحق. علّمه أن يستحي من الكذب ولا يخاف من قول الصدق.
- ربّيه على الحياء من الله أولًا. حين يتعلم أن الله يراه، يستحي في الخلوة قبل الجلوة.
- علّمه السؤال دون معارضة. إذا قال: "لكن في الكتاب الفلاني..."، فقل له: "اسأل لتفهم، وسنبحث معًا"، ولا تعلّمه أن يقدّم كل ما قرأه على كلام النبي ﷺ.
- كن أنت المثال. فإن رآك تستحي من الخطأ وتعظّم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعلّم منك بلا موعظة.
خاتمة
حين يغضب عمران رضي الله عنه حتى تحمرّ عيناه، فذلك دليل على عظم الحديث عنده. وهذا ما يجب أن يتعلمه أبناؤنا: أن في الدين ما يزكّي النفس، وأن الحياء منه، وأن كلام النبي ﷺ أعلى من أن يُعارَض بالصحف.
اقرأ أيضًا: لا تكفينا طاعة الجوارح حتى ترضى القلوب
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.