مقالات تربوية

حين تبلغ النية الصادقة ما لم تبلغه الاستطاعة

حين تبلغ النية الصادقة ما لم تبلغه الاستطاعة

كم والدًا يقول في نفسه: ليتني أملك أن أعطي أبنائي أكثر؟ وكم أمًّا أقعدها المرض وتتمنى لو خرجت بأولادها إلى حلقة العلم، أو إلى الحديقة؟ وكم معلمًا يرى بين يديه إمكاناتٍ محدودة ورغبةً في أن يفعل أكثر؟

في هذه اللحظات يسأل القلب: هل ضاع عليّ الأجر؟ أم أن الله يرى ما في صدري؟

"الإخلاص يرتقي بالعبد من درجة الضعيف العاجز إلى مرتبة القادر العامل."

 

ما حدث في غزوة العسرة

آيتين نزلتا في المتخلفين المعذورين عن الخروج مع النبي -ﷺ- إلى تبوك:

﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: 91-92].

فهؤلاء جاؤوا يطلبون من النبي -ﷺ- أن يحملهم ليخرجوا معه، فلما لم يجد ما يحملهم عليه رجعوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون.

ويعلّق الملف بعبارة قصيرة تحمل فرقًا عميقًا: "حقًّا لقد بكَوا للتخفيف وبكينا للتكليف." أي أنهم كانوا يبكون حين خُفّف عنهم وحُرموا شرف المشاركة، ونحن قد نتضجّر حين نُكلَّف.

ثم ينقل قول النبي -ﷺ- عنهم: "إن أقوامًا بالمدينة خلفنا، ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا فيه… حبسهم العذر." فكتب لهم الله أجر المشاركة وهم في بيوتهم.

 

أين الدرس التربوي؟

1) القيمة عند الله ليست في حجم النتيجة وحدها. الأب الذي لا يملك مالًا يعلّم أبناءه به، والمعلم الذي لا يجد إمكانات، والأم التي يقعدها المرض، يمكنهم جميعًا أن يحملوا قلب أولئك الصحابة. وهذا ما يرفع عنهم ثقل الإحساس بالتقصير.

2) لكن الآية قيّدت العذر بشرط: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. فليس كل من قال "لا أستطيع" معذورًا. المعذور من أبقاه النصح والحرص والحزن، لا من ارتاح لعجزه. فمن قال: "ليس عندي وقت" وهو يجد وقتًا لكل شيء آخر، فقد دخل في غير هذه الآية. هذه نقطة تحفظنا من أن نجعل العذر سترًا للكسل.

3) علامة صدق العذر هي الحزن عليه. ﴿تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾. فالمعذور الصادق يتألم أن لا يقدر، ويبحث عن أي بابٍ يستطيع منه أن يفعل شيئًا، مهما صغر.

 

كيف نربّي أبناءنا على هذا المعنى؟

  • علّمهم أن النية عمل. حين يقول ابنك: "ليتني أملك مالًا أتصدق به"، فلا تقل "ليس عندنا"، بل: "الله يعلم ما في قلبك، وفي يدك الآن ما تقدر عليه: ابتسامة، أو كلمة، أو مساعدة."
  • ميّز بين العجز والتكاسل بأسئلة هادئة. "هل حزنتَ لأنك لم تقدر؟ وماذا فعلتَ مما تقدر عليه؟"
  • لا تثقل نفسك بمقارنات. حين تقصر إمكاناتك عن إمكانات الآخرين، قل لأبنائك: "لا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها، ولكن لنا أن نحزن إذا قصّرنا فيما نستطيع."
  • احتفل بالنية الصادقة كما تحتفل بالنتيجة. إذا حاول ابنك أن يُصلح أمرًا بين أخويه وفشل، فاشكره على المحاولة قبل أن تصحح.
  • كن أنت المثال. إذا اعتذرتَ لأبنائك عن عجزك بصدق وحزن، ثم فعلتَ ما تستطيع، فقد علّمتهم الدرس كاملًا.

 

خاتمة

ما أعظم أن يكتب الله لأقوام أجر السير في الشعاب والأودية وهم في بيوتهم. فإذا ضاق بك العجز في تربية أبنائك، فتذكّر أن الله يحاسب على النصح لا على الاستطاعة وحدها، وأن دموع الحزن على التقصير قد تكون أحبّ إليه من أعمال تُؤدّى بغير قلب. لكن لا تجعل هذا بابًا للكسل: اسأل نفسك كل يوم عن ما بين يديك مما تقدر عليه، وافعله.

 

 

اقرأ أيضًا: الجمعة مدرسة القلوب… فهل نتعلم كيف نصلح أنفسنا وننهض بأمتنا؟

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم