كثيرًا ما يسأل الأطفال: "لماذا لا نشتري هذا؟ ألا يمكنك أن تسحب مالًا؟" وهو سؤال بريء، لكنه يكشف تصورًا شائعًا: أن المال شيء يخرج من جهاز، أو يظهر عند الحاجة، لا علاقة له بجهد أبيه الذي يغيب ساعات ويعود متعبًا.
وهنا يبدأ دور الأسرة. فالطفل الذي لا يعرف من أين يأتي المال لن يعرف قيمته ولا قيمة من يكدّ لأجله.
العمل في ميزان الإسلام
قال النبي ﷺ: "ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبيّ الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده." (رواه البخاري). فجعل الأكل من عمل اليد هو الأفضل، وضرب لذلك مثلًا بنبيٍّ ملك الدنيا ومع ذلك عمل بيده.
وفي ملف "مشروع الرؤية الشاملة" تأكيدٌ على هذا المعنى في الحديث عن بناء المجتمع، إذ يدعو إلى "غرس وإحياء القيم المحفزة على العمل والإنتاج… وترسيخ مبدأ احترام العمل واعتباره عبادة تستحق المثوبة من الله، والتزامها أخلاقيًا يحرسه الضمير، ووظيفة اجتماعية يرشدها العرف ويحميها التشريع، وهو حق مكفول وواجب مفروض." فالعمل في هذا التصور ليس عبئًا، بل عبادة وواجب وحق.
والبيت هو أول مكانٍ يتشكّل فيه هذا الاحترام. ويذكر الملف نفسه في فقرة الأسرة أهمية "العناية ببرامج الاقتصاد المنزلي وتأهيل ربات البيوت للقيام بواجباتهن الأسرية في تربية الأبناء وفي المشاركة في أعباء الأسرة والإسهام بتنمية مواردها عند الحاجة"، وكذلك "تعميم برامج الأسر المنتجة وتحويل البيوت إلى مراكز إنتاج". فالأسرة في هذا التصور ليست مستهلكة فقط، بل فيها طاقةٌ لأن تنتج.
وأخيرًا "تأهيل الفرد مهنيًا ليكون قادرًا على المساهمة في نهضة المجتمع وتقدمه وليس كلًّا عليه."
لماذا نبدأ من البيت؟
يقول د. علي شيخون في مقاله المنشور على الموقع إن الطفل يتعلم من رؤية جهد الكسب، وإن من يعرف كيف يأتيه المال يحافظ عليه. وهذا ما نقف معه هنا فقط، فهو أصل بقية الأمور: لا قيمة لتعليم الادخار والإنفاق لمن لم يعرف أولًا أن المال تعبٌ.
ست عادات تعلّم الابن أن الرزق عمل
1) احكِ له عن عملك. لا بمنّة ولا بشكوى، بل بوصف بسيط: "اليوم عملتُ كذا، وتعلمتُ كذا، وساعدتُ فلانًا." فيعرف أن وراء الراتب أنشطة وأناسًا.
2) خذه إلى مكان عملك أو زيارة عمل يعرفه. المهم أن يرى بعينيه الجهد الذي يتحول إلى مال.
3) اربط الأعمال البيتية بالمسؤولية لا بالمال. ترتيب غرفته وتجهيز مائدة الأسرة أعمالٌ تدخل في المشاركة في أعباء البيت، فلا تُدفع عنها أجرة.
4) اجعل له عملًا إضافيًا مدفوعًا حين يكبر. غسل السيارة، مساعدة في تنظيم المكتبة، بيع شيء بسيط صنعه بيده. فيتعلم أن الكسب يأتي من خدمة أو منتج.
5) علّمه احترام كل عمل شريف. لا تسمح بأن يسخر من عامل النظافة أو الحارس أو البائع. فكل عمل يخدم الناس عبادة إذا صحّت النية.
6) اشكر عمله الصغير كما تشكر عمل الكبار. إذا أنجز مهمةً بإتقان فاذكر له أن إتقانه "عمل يده" الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم.
ما الذي نحذر منه؟
- أن يتحول العمل إلى عقوبة. فلا نقول "اذهب اغسل الصحون عقابًا"، لأن ذلك يربط العمل بالإهانة.
- أن نحرمه من الراحة واللعب. المطلوب تدريب لا تحميل.
- أن نحتقر أعمال غيرنا أمامه. فيتعلم الكبر.
خاتمة
حين يسألك ابنك من أين يأتي المال، فقل له إن الله يرزق، لكنه جعل الرزق بابًا يُطرق بالسعي، وإن أفضل طعام ما أكل الإنسان من عمل يده. ثم ابدأ بيدك أنت: ليرى فيك إنسانًا يعمل، فيتعلم أن يعمل.
اقرأ أيضًا: "أصلهم ويقطعونني" ماذا نفعل مع قريب لا يبادلنا الصلة؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.