" الإخوان المسلمون اليوم وأمس وهم الأمة الجديدة القائمة على الحق المهتدية بنور الله، الداعية إلى صراطه المستقيم بين منحة ومحنة.. وعليهم أن يشكروا الله أجزل الشكر، على ما أولاهم من نعمه، وأغدق عليهم من فضله ومنته، وأن يصبروا أكمل الصبر على المحنة مهما علا ضجيجها، وأرعد برقها وعظم هولها، وأجلبت بخيلها ورَجلها، وليثقوا بوعود الله -تبارك وتعالى- لسلفهم الصالحين ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120]
الإمام حسن البنا
الأصل عند جميع الإخوان أنهم يعملون حسبة لله يبتغون بجميع أفعالهم وأقوالهم رضاه سبحانه وتعالى، وإذا كان جميع أفراد الجماعة يفترضون فى أنفسهم الإخلاص فافتراضهم ذلك فى قياداتهم أشد وأقوى، وهم تعلموا ذلك من سيدنا أبا أيوب الأنصارى وزوجه فقد قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا، فقال لها: يا أم أيوب أكنتِ تفعلين ذاك؟ فقالت: لا والله، فقال: فعائشة والله خير منكِ وأطيب، فأنزل الله عز وجل:﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ [النور: 12]، وهذا ظننا بقيادتنا ولا نزكيهم على الله.
تتعدد الكتابات التي تتناول تأثير الأحداث على الحماعة.. ما بين تخمينات حالم بأن النتيجة الحتمية هي التاثير على كيان الدعوة وتنظيم الجماعة، ويقين متأكد بأن الله سبحانه وتعالى سيجعل من وراء هذه الأحداث، الخير والفائدة للإسلام والمسلمين، وبأن الجماعة بإذن الله تعالى ستخرج منها أصلب عودا وأمضى حركة نحو تحقيق أهدافها التي أضحت أهداف الشعوب جميعا إن شاء الله تعالى.
وهذا عبارات لا تنطلق من نبع العاطفة فقط، بل هي الحقيقة التي أكدها تاريخ الجماعة وأكدتها الأحداث الممتدة طوال تاريخها منذ أكثر من 94 عام وحتى اليوم.
فالجميع يعلم ونحن نعلم وكل الإخوان يعلمون -ولا زالوا يتعلمون- أن المنهج معصوم بعصمة مرجعيته -القرآن والسنة- فكل مَنْ يعتنق هذا المنهج ويرتبط به، يعلم إن ارتباطه بالمنهج ارتباط علمي عملي.
لقد عاشت الجماعة عهوداً متكاملة وأزمنة عديدة بفضل من الله في ظل قوله تعالى:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾[آل عمران: 103]، وعاشوا في ظل دعوتهم المباركة على قيم ومعاني الانتماء الصافي والطاعة الواعية المبصرة والثقة المتبادلة والأخوة الصادقة، وتربوا على ذلك، فعاشوا لدعوتهم وبها في ظل إطار تنظيمي محكم البناء عميق الانتماء كثير العطاء، الكل يحرص على أن يكون ضمن تلك العصبة المؤمنة، يجمعهم الرابط التنظيمي المتمثل في أركان ثلاثة: الطاعة والأخوة والثقة، لا يحيدون عنها قيد أنملة، فكان الإنتماء التنظيمي لدعوة الإخوان:
1- طاعة مبصرة منطلقة من الإيمان شعارها "قوم يرون الحق نصر أميرهم، ويرون طاعة أمره إيمانًا".
2- أخوة صادقة تسمو فوق آواصر الانتماء الضيقة المحدودة.
3- ثقة عالية لا تضعف أمام محن الشهوات والشبهات.
ومما يسقط أحلام الواهمين، أن الجماعة تستقي دائمًا مواقفها من الآلية الربانية في اتخاذ القرار واقرار التوجهات التي نصت عليها مرجعيتهم – القرآن والسنة – فألزموا أنفسهم بالشورى، يقول المرشد الراحل الأستاذ محمد مهدي عاكف - أنه إذا لم تكن الشورى مُطَبَّقةً داخل "الإخوان المسلمون" لَمَا استمرت على الساحتين المحلية والدولية حتى الآن،
وأن الشورى لدى الجماعة فرضٌ وخُلقٌ، ولا يوجد مؤسسة داخل الإخوان تستطيع أن تتحرك دون تطبيق مبدأ الشورى، وإنَّ كثيرًا من الأفكار والجماعات قد اندثرت لغياب الشورى عنها، وما تتكسر عليه كل تمنيات الآخر المتحامل، تلك الرابطة الأخوية الصادقة، فقد تعلم الإخوان ولا زالوا من كلام الإمام المؤس حسن البنا رحمه الله: "وأريد بالأخوة: أن ترتبط القلوبُ والأرواحُ برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابطِ وأغلاها، والأخوَّة أخت الإيمان، والتفرُّقُ أخو الكفر، وأول القوة قوة الوحدة، ولا وِحْدَةَ بغير حب، وأقل الحب سلامة الصدر، وأعلاه مرتبة الإيثار ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: من الآية 9]
والأخُ الصادقُ يرى إخوانَه أوْلى بنفسِه من نفسه؛ لأنه إن لم يكن بهم فلن يكونَ بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره.
هذه هي دعوة الإخوان لمن لم يعرفها جيداً، ولمن لم يقف على أعتابها، ولمن لم يدرك حقيقتها، هكذا هم الإخوان كانوا وسيظلون زمرة القلب الواحد، قد يقول قائل هذه مثالية، ولكننا نعتقدها حقيقة في دعوة الإخوان، ونختم بما قاله المؤسس رحمه الله " فاذكروا جيداً أيها الاخوة، أنكم الغرباء الذين يصلحون عند فساد الناس، وأنكم العقل الجديد الذي يريد الله أن يفرق به بين الحق والباطل في وقت التبس عليها فيه الحق بالباطل، وأنكم دعاة الإسلام، وحملة القرآن، وصلة الأرض بالسماء، وورثه محمد -ﷺ- وخلفاء صحابته من بعده، فضلت دعوتكم، الدعوات، وسمت غايتكم علي الغايات، واستندتم إلى ركن شديد، واستمسكتم بعروة وثقي لا انفصام له، وأخذتم بنور مبين وقد التبست علي الناس المسالك وضلوا سواء السبيل، والله غالب على أمره" والله أكبر ولله الحمد".
من ثمار جهد الإمام وجهاده
يقول الإمام البنا: (دعوتنا دعوة أجمع ما توصف به أنها إسلامية، ولهذه الكلمة معنى واسع غير ذلك المعنى الضيق الذي يفهمه الناس، فإنا نعتقد أن الإسلام معنى شامل ينتظم شؤون الحياة جميعا، ويفتي في كل شأن منها ويضع له نظاما محكما دقيقا، ولا يقف مكتوفا أمام المشكلات الحيوية والنظم التي لا بد منها لإصلاح الناس)
ولتحقيق ذلك وإنزاله على أرض الواقع لابد من:
1- صحة الفهم ودقته وسلامة خطواته.
2- حسن القصد ونقائه، وإخلاص النية.
ومع هذا الفهم الدقيق كان لا بد أن تكون غايتنا شريفة ووسائلنا عفيفة لأنها مستمدة من عقيدتنا وأخلاقنا، وهذا الفهم الدقيق والتصور السليم لا يتحقق على أرض الواقع إلا من خلال جماعة لها منهج يجتمعون عليه، وأفراد يضعونه موضع التنفيذ، وقيادة أمينة عليه تسهر على تحقيقه بإخلاص، ديدنها وهدفها الأسمى صحة البداية ومن صحت بدايته صحت نهايته، فالبداية إذن هي العمل الجماعي، بناء الفرد المسلم حتى يكون ربانيا ثم ضم هذه اللبنات بعضها إلى بعض لتكوين جماعة متماسكة تسعى لتحقيق الأهداف الكبرى.
ولكي يكون الإنسان مسلما نافعا لنفسه وأسرته ووطنه وبني جنسه لابد له من الاقتناع بأنه لابد من عمل مبرمج مرسوم فيإطار جماعة هي أفراد لهم قيادة، يحكمهم الفهم الصحيح والحركة المنضبطة، تصدر جميع أمورها وقضاياها ومواقفها من خلال رؤية إسلامية تعتمد أسسها وضوابطها ومعالمها وأسانيدها على علم صحيح وفهم دقيق تبني عليه لأن العلم سابق على العمل، فيتحد التصور السليم والسلوك، ووحدة الهدف والمصير، ووحدة الغاية، بل ووسائل تحقيق ذلك كله.
ولذلك فإن كل فرد في هذه الجماعة يشعر فيها بـ:
1- الاعتزاز بالانتماء إليها. 2- الطمأنينة في وجوده فيها.
3- أنها تحقق أمانيه. 4- أنه لبنة أساسية في بنائها.
5- أنه خلية فيها يمدها ويستمد منها، فإذا انفصل عنها ماتت، وإذا اتصل بها حيت.
يقول الإمام الأوزاعي: خمس كان عليها أصحاب رسول الله -ﷺ- والتابعون: 1- لزوم الجماعة. 2- واتباع السنة. 3- وعمارة المسجد. 4- وتلاوة القرآن. 5- والجهاد في سبيل الله.
وهذه الدعوة التي تقوم عليها الجماعة لها خصائص، فهي:
1- ربانية في مصدرها لأنها وحي من عند الله.
2- وسطية في اختيار الله لها.
3- إيجابية في نظرتها للكون والإنسان والحياة.
4- واقعية حين تتعامل مع الفرد والمجتمع.
5- أخلاقية في غايتها ووسائلها.
6- شمولية في منهاجها.
7- عالمية في الدعوة إليها.
8- شورية في الحكم بها.
9- جهادية لمن يصد طريقها ويمنع انتشارها ويعتدي عليها.
10- سلفية الفكر والتصور والاعتقاد.
وهي لذلك تتبع منهجًا سلميًّا إقناعيًّا عند الدعوة إليها، فيجب على الدعاة:
1- حسن العرض.
2- جمال الأسلوب والتشوق.
3- الترغيب في الحق.
4- استعمال الحكمة والموعظة الحسنة.
5- المجادلة بالتي هي أحسن.
6- مراعاة مقتضى الحال.
7- استخدام أفضل وسائل العصر ولسان القوم.
8- الالتزام بقواعد الدعوة والأصول المرعية الإقناعية دون إكراه.
9- مراعاة صحة عرض المناهج الثلاثة: منهج العقيدة – منهج العبادة – منهج الحركة.
ولذلك لا يتحقق تطبيق ذلك إلا عن طريق التربية الشاملة والتي تبدأ بـ:
الفرد المسلم - البيت المسلم - الشعب المسلم - الحكومة المسلمة - الأمة المسلمة - الخلافة الإسلامية.
ويجب أن نؤكد على أن للإسلام مقصدين:
المقصد الأول: إقامة أمة صالحة ولا تصلح الأمة إلا إذا توفرت فيها شروط:
1- أن يكون لها رسالة من مبادئ تحملها على اتجاهات عليا، فالأمة التي تعيش بغير رسالة لا هم لها إلا لقمة العيش، تبقى ببقائه وتفنى بفنائه، بعكس الأمة التي تعيش لمبادئ.
2- أن تكون الأمة موحدة متحابة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ…﴾ [التوبة: 71]، (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا)، (كونوا عباد الله إخوانا).
3- أن تكون الأمة مضحية.. مستعدة للبذل والتضحية في سبيل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].
المقصد الثاني: أن يكون على رأس هذه الأمة حكومة صالحة إسلامية مؤمنة خادمة للشعب، لا حكومة طغيان واستبداد.
يقول رسول الله ﷺ: (لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح).
ورضوان الله على مَنْ قال: (لو عثرت بغلة في العراق لسئل عنها عمر لِمَ لم تمهد لها الطريق؟).
وبذلك وبهذه الدعوة التي تضبطها الحكمة والتي أسسها مستمدة من كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله ﷺ، والعمل الصالح لسلف هذه الأمة، ومن هذه اللبنات تكون الأسرة فالمجتمع... إلخ.
ولابد من مراعاة تماسك الجماعة التي ستعمل على تحقيق الأهداف والذي يرجع ذلك إلى قوتين أساسيتين:
1- قوة الرباط الإيماني القائم على الإخلاص.
2- قوة الرباط التنظيمي القائم على الأخوة.
ودون هذين الرباطين مهما وضعنا من تنظيم وإدارة نصبح حزبا من الأحزاب الوضعية التي تتقدم فيها المصالح على المبادئ والذاتية على الموضوعية والشخصانية، والفردية على الجماعية، وفرض الرأي الواحد على الشورى وتختفي المؤسسية، ولذا وجب على الجميع مراعاة:
1- حراسة الدعوة وإعلانها وحماية الفكرة والدفاع عنها والاستمساك بمنهجها.
2- التجرد من التفكير في المنافع المادية والثمرات العاجلة والانتفاع بالدعوة.
3- إعلان الدعوة والجهر بها والاستمساك بمنهجها.
4- الحرص على توريث الدعوة مجردة عن الأشخاص (الارتباط بالفكرة وليس بالأشخاص).
5- تحمل الإيذاء في سبيل الدعوة والتضحية بالمال والنفس والجهاد لنصرتها.
6- انطباق السلوك لما ندعو إليه والأخذ بالعزيمة.
7- السمع والطاعة للقيادة في العسر واليسر والمنشط والمكره.
8- النصح والتسديد.
9- كتمان ما اؤتمن عليه من سر وعدم إفشائه.
10- العمل على تماسك الجماعة وتنفيذ منهاجها وتحقيق أهدافها.
11- إعداد الرجال وحسن اختيار القيادات وإعداد البرامج التربوية.
12- احترام اللوائح والنظم.
13- الالتزام باختيارات الجماعة في المواقف والسياسات.
14- اعتماد الشورى الملزمة.
15- النصيحة للأفراد والقادة (النصيحة وليست الفضيحة والتشهير).
16- تقويم الخطوات والمصارحة بالأخطاء وتصحيحها.
وهذا هو الفهم الذى ندين به ونخلص له، ولذا كان الأستاذ البنا دقيقا حين جعل ركن الفهم سابقًا على ركن الإخلاص، فإخلاصنا لفهمنا هذا، ولا شك أنه لا بد من دلائل تدل على هذا الإخلاص سواء كان بالنسبة للمنهج أو القيادة والأفراد بعضهم مع بعض.
والجدير بالذكر أن هذا التصور لابد له من:
أولا: عقائد وقيم وثوابت لا تقبل التبديل أو التجديد أو التغيير.
ثانيا: أمور حاكمة تضبط المسير بقيمه وأخلاقه ومبادئه.
ثالثا: وأمور متغيرة تقبل الاجتهاد وتجدد الحركة.
ومن حاد عن هذا رددناه إلى أصولنا وثوابتنا وأمورنا الحاكمة، فإن عاد إلى الصواب فالعود أحمد ورحبنا بأوبته، وإن حاد ومال وأصر على أن يكون قد اختار طريقًا غير طريقنا ومنهجًا غير منهجنا، ومسارًا غير مسارنا يكون بذلك قد حدد هو بنفسه موقفه منا.
ومن هنا كانت رسائل البنا نبراسًا يوضح معالم الطريق وكيف نتعرف على طبيعة الطريق وطبيعة المعركة وكيف نتغلب على الصعاب وما هو منهج التغيير الذي يحقق لنا الأهداف الكبار.
.