مقالات تربوية

لا تكفينا طاعة الجوارح حتى ترضى القلوب

لا تكفينا طاعة الجوارح حتى ترضى القلوب

يُصدر الأب قرارًا فيطيعه ابنه، لكنه يخرج من الغرفة وفي صدره ما يكفي لعشرة أيام من الامتعاض. ويطبّق الطالب تعليمات المعلم ويُسِرّ في نفسه أنها ظلم. وتنفّذ الزوجة ما اتُّفق عليه وهي تعدّ حسابه. وكلها صور من طاعة الجوارح دون رضا القلب، وهي لا تدوم ولا تُثمر.

والقرآن يلفت إلى هذا بآية دقيقة العبارة، سنقف معها ومع حديثٍ نزلت فيه كما رواه الزبير رضي الله عنه.

 

الآية: ما وراء الحكم

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

لاحظ تدرّج الآية في ثلاث درجات: يُحكِّموه، ثم لا يجدوا حرجًا، ثم يُسلِّموا تسليمًا. فالاحتكام وحده لا يكفي، ولا يكفي أن نقبل بألسنتنا ثم نتأذى في صدورنا. المطلوب أن يصل الحكم إلى القلب فيستقرّ فيه. وكما يقول الملف: الرافض لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقد للإيمان حتى يرضى به ويسلّم له بلا حرج في صدره. وقبلها قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].

 

الحديث الذي نزلت فيه الآية

روى الشيخان عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير رضي الله عنه عند النبي صلى الله عليه وسلم في شِراج الحرّة (مسيل الماء الذي يسقون به النخل)، فقال الأنصاري: سرّح الماء يمرّ، فأبى عليه الزبير، فاختصما عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للزبير: "اسقِ يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك."

فغضب الأنصاري فقال: "أنْ كان ابن عمتك؟!" أي اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه حكم للزبير مجاملةً لقرابته. فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "اسقِ يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر." قال الزبير رضي الله عنه: "والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك"، وتلا آية النساء.

 

ثلاث وقفات تربوية

1) الخطأ لم يكن في الاعتراض، بل في اتهام النية. غضب الأنصاري فأطلق لسانه بالتهمة. وهذا ما يقع في بيوتنا حين يقول الابن: "أنت تحبّ أخي أكثر مني"، أو يقول الطالب: "أنت تظلمني عمدًا". فبين أن يقول المرء "لم أرتَح لهذا الحكم" وأن يقول "أنت تحابي"، فرق عظيم. الأول شعور يُسمع ويُعالج، والثاني سوء ظنٍّ يفسد العلاقة.

2) قبول الحق وإن خالف الهوى هو علامة التجرد. يقول ملف "التجرد": "وعلامة ذلك قبول الحق فور العلم به وإن تعارض ذلك مع ما تشتهيه النفس." وقد كان ما يشتهيه الأنصاري أن يمرّ الماء إلى أرضه فورًا، فتعارض الحق مع الشهوة، فظهر أثر ذلك في عبارته. فتربية الرضا هي في أصلها تربية على أن يقدّم المرء الحق على هواه.

3) الحكم مهما كان ثقيلًا، يُقبل في القلب بعد أن يُقبل في الواقع. لا يريد الله منا أن نخادع أنفسنا بأنه لا ألم، بل أن لا يبقى في الصدر ما يعارض القبول. ولذا عبّرت الآية بـ"حرج": ضيق في الصدر يدعو إلى مقاومة داخلية.

 

كيف ننقل هذا إلى تربية أبنائنا؟

  • اشرح قبل أن تأمر، وإن لم تشرح فاشرح بعد. الطفل الذي يعرف "لماذا" أقدر على أن يرتاح لقرارك.
  • افتح له باب الشعور دون باب التهمة. قل له: "تستطيع أن تقول لي: أنا متضايق من هذا القرار، ولا تقل: أنت ظالم." فتعلّمه أن يعبّر عن حرجه بدل أن يكتمه أو يحوّله إلى اتهام.
  • لا تفرح بطاعة صامتة وحدها. إذا امتثل ولم يتكلم، فاسأله بعد حين: كيف رأيتَ الأمر؟ فالصمت قد يكون رضا وقد يكون كتمانًا.
  • كن أنت أول من يقبل الحق حين يخالف هواه. إذا اعتذرتَ عن رأيك أمام أولادك حين يتبين خطؤه، علّمتهم الرضا بأبلغ طريق.
  • حين تحكم بين أبنائك، اجعل ميزانك معلنًا. "الأصغر يبدأ لأنه لم يلعب منذ الصباح"؛ فوضوح المعيار يقلّل شبهة المحاباة.

 

خاتمة

يريد الله لعباده أن يطيعوا، ثم يزيد: أن يرتاحوا لما حكم. وهذا هو الفرق بين بيت يعيش فيه الأبناء تحت أوامر، وبيت يعيشون فيه تحت قيم يؤمنون بها. فاسأل نفسك عن كل قرار تتخذه: هل يطيعني ابني فقط، أم يرتاح قلبه لما أطلبه منه؟

 

 

اقرأ أيضًا: الوفاء بالعهد من التقوى حتى مع طفل في الخامسة

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم