كثيرًا ما يسأل المربي نفسه في آخر الليل: هل أعمل لله حقًّا، أم لأن الناس تنتظر مني ذلك؟ وهو سؤال صحي. لكن الخطر أن نظنّ أن الإخلاص شعور يهبط علينا ذات يوم، فنجلس ننتظره. والحقيقة كما في ملف "التجرد في حياة الأخ المسلم" أن التجرد مرتبة سامقة ودرجة سامية، لا يتسنى لإنسان أن ينالها إلا بمجاهدة.
لمن تُعطى هذه المرتبة؟
يقول الملف إن هذه المرتبة لا ينبغي أن ينالها "نَهْمَةٌ لا يشبعون، أو غَلْمَةٌ لا يتعففون"، وإن الرجل الذي ألزم نفسه الطاعات، وألجمها عن الشهوات، وصرفها عن الشبهات، أحق أن ينالها. وفي العبارة ثلاثة أفعال يستحق كل منها وقفة: ألزم نفسه بالطاعة، وألجمها عن الشهوة، وصرفها عن الشبهة. فهي ثلاث حركات مقصودة، لا سكينة تنزل بلا عمل.
ثم يستشهد الملف بما يعرفه كل طالب مجد:
لا تحسبنَّ المجدَ تمرًا أنت آكلُه … لن تبلغَ المجدَ حتى تلعقَ الصبرَ
تُرِيدينَ إتيانَ المعالي رخيصةً … ولا بُدَّ دونَ الشَّهدِ من إِبَرِ النَّحلِ (المتنبي)
فمن أراد عسل التجرد، فعليه أن يحتمل لسعة النحل.
ثلاث درجات: ملَك، وشيطان، وآدمي
يقول الله في الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].
ويعلّق الإمام الغزالي (الإحياء 3/105): "التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقربين، والتجرد للشر دون التلافي سجية الشياطين، والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ضرورة الآدميين."
وهذه العبارة تريح المربي وتوقظه في آنٍ معًا:
- تُريحه لأنها تقول له: أنت آدمي، ولن تكون ملَكًا. فالزلة لا تُخرجك من الطريق، وإنما تركُ الرجوع هو الذي يُخرجك.
- وتوقظه لأنها تضع حدًّا واضحًا: الذي يتجرّد للشر ولا يتدارك فهذا سجية الشياطين. فلا يكفي أن نقول "كلنا بشر" ثم نبقى حيث زلّت أقدامنا.
فمقياس التجرد عند المربي ليس أنه لم يخطئ، بل كم يستغرق من الوقت بين زلته ورجوعه.
مدرسة الحج: كيف يتدرّب القلب على التجرد؟
يقول الملف إن الحج من أهم العبادات التي يستشعر فيها المسلم المعنى الحقيقي للتجرد، ويذكر مظاهره:
- يترك الأهل والوطن.
- يتجرد من ثيابه فيرتدي ثوبًا أشبه بالكفن.
- يؤدي مناسك لا يعلم حكمتها إلا الله، فيعمل لأن الأمر أمر الله.
- يطوف طوافًا خالصًا لله بالكيفية التي أرادها.
- ويهتف بالتلبية معلنًا تجرده لله وبراءته من الشريك والنظير.
والجامع بين ذلك كله، بتعبير الملف: "التجرد من شهوات النفس ومطالب الهوى." وهو المعنى الذي تحمله الآية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163].
تأمل ما يفعله الحاج: يخلع ثياب الوجاهة والمنصب كلها، فيقف الأستاذ والتلميذ، الغني والفقير، في ثوبٍ واحد. وهكذا ينبغي أن يقف المربي في قلبه أمام الله: بلا لقب، ولا جمهور، ولا سمعة يخاف عليها.
أربعة تمارين للمربي الذي يريد أن يتجرد
(هذه التمارين من صياغتي لتطبيق المعاني السابقة، وليست من نص الملف.)
1) ألزم نفسك بطاعة ثابتة لا يعلم بها أحد. ركعتان في جوف الليل، أو ورد من القرآن، أو صدقة لا تُذكر. فالنفس التي اعتادت الطاعة بلا شاهد تتحرر من حاجتها إلى التصفيق.
2) ألجم نفسك عن عادة واحدة. ليست عشرًا، بل واحدة: مجاملة كاذبة، أو تتبّع لإعجاب الناس بمنشورك، أو مقارنة بزملائك. والتزم بها شهرًا.
3) اسأل قبل كل موقف تربوي: لمن أفعل هذا؟ حين توبّخ الطالب، حين تمدح، حين تعلن إنجازًا. السؤال وحده يصرف النفس عن الشبهة قبل أن تعمل.
4) حدّد زمن رجوعك. إذا زللت، فلا تنتظر الإحساس بالذنب حتى يتراكم، بل ارجع في اليوم نفسه: اعتذار، استغفار، تصحيح. فالذي يجعلك آدميًّا لا شيطانًا أن ترجع.
خاتمة
لا تنتظر أن يصير الإخلاص حالةً تحلّ عليك، بل اجعله مجاهدةً تومئ إليها كل صباح: أُلزم، وأُلجم، وأصرف، ثم أرجع إن زللت. وقد قيل: لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر. فاصبر على مرارة النحل، ترَ حلاوة العسل.
اقرأ أيضًا: القاضي عياض.. عالم سبتة وقاضيها وأحد أعلام المذهب المالكي
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.