بحث كتبه نصر الدين سالم الشريف (الجزائر)
مقدمة:
يعتبر الأمير عبدالقادر الجزائري مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة نموذجا من الطراز المتميز للقيادة في العصر الحديث، حيث جمعت شخصيته في تكوينها بين العلم النظري والسياسة العملية والتربية السلوكية، ولذلك كان محل دراسات غربية وإسلامية كثيرة، ولعلّه لهذا السبب تم اختيار كتاب "تحفة الزائر لمآثر الجزائر" المتضمن لسيرته من قبل الكثير من الحركات الإصلاحية التي رشحت هذا الكتاب للمطالعة في منهاجها الثقافي والتكويني الخاص بالطبقة العالية من قياداتها.
وعليه سنتناول موضوع هذه المحاضرة أي "القيادة في سياق بناء الأمة.. الأمير عبدالقادر الجزائري نموذجًا" من خلال ما يلي:
أولًا: مفهوم القيادة:
القيادة التي نقصدها هنا هي العلم أو الفنّ الذي يدفع الناس أو المؤسسة أو المجموعة أو الجمعية أو الحزب أو الشعب نحو الأهداف انطلاقًا من مبادئ وغايات هذا الشعب أو هذه المؤسسة أو المجموعة.
فكلما كان الدفع نحو الأهداف والتأثير في الناس واسعًا وعميقًا ومستمرًا وموافقًا للمبادئ والغايات كانت القيادة أكثر نجاحًا.
وقد أشار القرآن الكريم إلى الصفات الأساسية لمن يقود الناس:
- فقال على لسان يوسف -عليه السلام-: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]
- وقال على لسان إحدى الفتاتين في شأن موسى عليه السلام: ﴿إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: 26].
- وقال في شأن طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ...﴾ [البقرة: 247].
- ولقد وصفت قريش النبي -ﷺ- قبل البعثة بقولها: (الصادق الأمين) ويعبر عن هذا في لغة العصر الحديث بـأوصاف "النزاهة" و"الاستقامة".
وفي أدبياتنا فإن أول ما نصف به القائد بأنه يجب أن يحوز صفة: الربانية انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيينَ بِمَا كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾ [آل عمران: 79].
قال صاحب المحرر الوجيز في تفسير هذه الآية الكريمة معرفا الربّاني: (معلم الناس وعالمهم السائس لأمورهم، مأخوذ من ربّ يربّ إذا أصلح وربّى).
(الرباني هو الذي جمع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دينهم ودنياهم.)
ومن هنا فإن القائد الرباني هو القائد الذي يجمع في وعيه وممارسته بين الفقه والعمل، وبين التربية والسياسة.
ثانيًا: السياق العام لبروز الأمير عبدالقادر كقائد فذّ:
- ونقصد هنا بالسياق: البيئة، أو هو الإطار المحيط بالحدث الذي يوفر لنا موارد التفسير المناسب.
ويمكن هنا أن نحدد ثلاث سياقات لبروز الأمير عبدالقادر كقائد في النصف الأول من القرن التاسع عشر كالآتي:
- سياق التدافع والصراع المتواصل بين العالم الاسلامي وبين العالم المسيحي الذي مثلته الحروب المستمرة بين الدولة العثمانية وبين الدول الأوروبية في البحر المتوسط وفي قلب أوروبا خلال القرون: 13 و14 و15 و16 و17 و18 و19 الميلادية.
- سياق سقوط الأندلس وتداعيات ذلك على الأمة عمومًا وعلى المغرب الإسلامي خصوصًا، وعلى الجزائر بصفة أخص، هذه الأخيرة تحملت أعباء وآثارًا كبيرة جراء ذلك ما فرض عليها دعم الأندلسيين واستقبال المهاجرين الفارين بدينهم ثم مواجهة الإسبان وهجوماتهم، والذين احتلوا أهم المدن الساحلية في الجزائر وشمال إفريقيا، والتي حررها الجزائريون بقيادة البحارة العثمانيين (بابا عروج وخيرالدين بربروس) بعد كفاح مرير، وقد استمرت حروب التحرير بعد الأخوين بربروس أكثر من ثلاث مائة سنة كما بسطه المؤرخ أحمد توفيق المدني في كتابه عن هذه الحروب.
وكانت وهران آخر مدينة تم تحريرها من الإسبان سنة 1792 أي 38 سنة قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر وهذه الحروب المستمرة مع الدول الأوروبية والتي نسميها نحن الجزائريين جهاد البحر ويسميها الأوروبيون من باب الانتقاص القرصنة رغم أنهم مارسوها قرونا وقرونا وإلى يومنا هذا، وجهاد البحر هو الذي شكل الجزائر الحديثة، ورسم حدودها، وأسس عاصمتها، ومزج شعبها في شخصية جزائرية متميزة بالجهاد والمقاومة انصهر فيها البربر والعرب والأندلسيين والأشراف والكراغلة والقادمين من جنوب الصحراء الكبرى، وجزائر اليوم ثمرة ذلك المزيج الرائع.
3. سياق التطور الفكري والسياسي والإداري والاجتماعي والصناعي والعسكري الذي حدث في أوروبا خلال القرنين 18 و19، وفي المقابل جمود العالم الإسلامي، وتقوقعه وانتشار التصوف السلبي والانسحابي، وعدم دراية الغالبية العظمى من المسلمين بما يجري في العالم من تطورات؛ حتى النخب الثقافية والعلمية والسياسية كانت ترفض الاتصال بالآخر حتى حلت الصدمة ذات صيف في الإسكندرية سنة 1798 وفي الجزائر سنة 1830.
تركيبة المجتمع الجزائري قبل 1830:
تذكر التقديرات أن عدد سكان الجزائر كان ما بين اثنين إلى ثلاثة ملايين نسمة منهم 90% أو أكثر يعيشون في الريف ويمكن أن نفصل تركيبة المجتمع الجزائري آنذاك إلى فئات كالتالي:
أ – فئة الأتراك: وعددهم بضعة آلاف ولا يزيدون عن عشرين ألفًا على أكثر تقدير وهم المتحكمون في السلطة والجيش والإدارة، وقد طردهم جيش الاحتلال الفرنسي من الجزائر بعد احتلال مدينة الجزائر مباشرة.
ب – فئة الحضر: وهم سكان المدن من أحفاد المهاجرين الأندلسيين والأشراف واليهود، وكانوا يمثلون أقل من 10% من سكان الجزائر؛ وهم المسيطرون على الحياة الاقتصادية والمراكز الدينية والعلمية والثقافية وأمام الهزيمة وذهاب مراكز الاجتماعية رفض عدد كبير منهم حكم الاحتلال (حكم الكفار) فهاجروا إلى تونس والمغرب ومصر وبلاد الشام وتركيا وحتى إلى الحجاز ما عدا اليهود فقد تحالفوا مع المحتل ومكنوا له في مدينة الجزائر بل وساعدوه في احتلال مدينة قسنطينة عاصمة بايلك الشرق سنة 1837.
ج – فئة الكراغلة: وهم أبناء وأحفاد الأتراك من أمهات جزائريات وكانوا دون الأتراك في المكانة الاجتماعية ومازال أحفادهم في الجزائر إلى اليوم، وكان لهم دور في الجيش والإدارة وغيرها.
د – فئة قبائل المخزن: وهي قبائل جزائرية موالية للسلطة المركزية، وجزء من التنظيم الإداري لإدارة المجتمعات القبلية والريفية في الجزائر وأداة السلطة المركزية للسيطرة على القبائل والأعراش والأرياف المترامية الأطراف.
هـ - فئة سكان الأرياف: كانوا يمثلون الأغلبية الساحقة من السكان ويحكمهم شيوخ القبائل وشيوخ الزوايا.
وعاشت الجزائر قُبَيل الاحتلال تفككًا اجتماعيًّا وانفصامًا بين هذه المكونات بل وحروبًا وقتالًا وتمردات وعدم استقرار، هذا الوضع الاجتماعي والسياسي عنون له المفكر مالك بن نبي بعنوان: عصر ما بعد الموحدين (سقطت دولة الموحدين سنة667 هـ -1269 م) وهو العصر الذي انتشر فيه الجمود والتفكك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في العالم الإسلامي ويكفي أن نعرف مثلا أن ما بين 1790 و1830 حكم الجزائر 18 من الدايات تم اغتيال 6 منهم.
ميلاد الأمير عبدالقادر ونشأته:
في ظل الأوضاع السياسية والاجتماعية المذكورة سابقا ولد الأمير عبدالقادر سنة 1807 في ريف مدينة معسكر عاصمة بايلك الغرب وقاعدة جهاد المحتلين الإسبان فترات طويلة إلى غاية سنة 1792 تاريخ فتح وهران، ووالده هو الشيخ محي الدين بن مصطفى الحسني مقدم الطريقة القادرية وشيخ زاوية القيطنة قرب معسكر.
تعلم الأمير عبدالقادرفي زاوية والده ثم ارتحل إلى أرزيو ودرس على يد قاضيها الشيخ أحمد بن الطاهر ثم ارتحل إلى وهران عاصمة بايلك الغرب آنذاك، وانتسب لمدرسة أحمد بن خوجة المخصصة لأبناء الأعيان، ثم رافق والده في رحلة الحج والعلم والاكتشاف إلى المشرق سنة 1825 فزار تونس ومصر والحجاز والعراق والشام وليبيا وحج مرتين في رحلة دامت ثلاث سنوات ليعود إلى الجزائر سنة 1828 ويجد الأسطول الفرنسي محاصرا مدينة الجزائر بعد حادثة المروحة المشهورة وبعد تحطم الأسطول الجزائري مع الأسطول العثماني والأسطول المصري في معركة نافرين جنوب اليونان سنة 1827.
ثالثا: الأمير عبدالقادر القائد المجاهد:
1- احتلال الجزائر:
كان التفوق العسكري والاقتصادي الأوروبي واضحًا في مطلع القرن 19 ميلادي، والأطماع الاستعمارية متنامية وغزو العالم الاسلامي سياسة فرنسا وبريطانيا في تلك الأيام، والجزائر تمثل القاعدة المتقدمة غربًا، والتي شكلت باستمرار تهديدًا للمصالح الاستعمارية وسدًّا منيعًا أمام أطماعها، ورفضت التخلي عن هذا الدور الذي كان يمثل أمنها القومي، ومصدر اقتصادها، وشرعية سلطتها؛ ولذلك خططت فرنسا لاحتلال الجزائر منذ عهد نابليون بونابارت، وأرسلت الجواسيس لتحقيق هذا الغرض، فكانت الجزائر أول حبة سقطت من السبحة، سبحة العالم الاسلامي ثم توالى السقوط حبة بعد حبة طيلة قرن كامل تقريبًا.
2. سقوط مدينة الجزائر عاصمة البلاد:
- تم احتلال الجزائر رسميا بسقوط عاصمتها مدينة الجزائر يوم 5/7/1830 بعد معركة اسطوالي في جوان 1830، هذا الاحتلال الذي كان محملا بأثقال الحروب الصليبية والانتقام من جهاد البحر والدولة العثمانية واعتبر الفرنسيون الجزائر بوابة فرنسا والمسيحية إلى إفريقيا.
- حدث هذا والدولة العثمانية منهكة بعد هزيمتها في اليونان، وجيوش محمد علي حاكم مصر تغزوا أراضيها سنة 1831، وتحتل بلاد الشام والأناضول وتصل إلى قونية في قلب الأناضول مهددة إسطنبول عاصمة الدولة، إضافةً إلى تحالف باي تونس مع الفرنسيين ورضوخ سلطان فاس للضغوط الفرنسية، بل تحول السلطان إلى معاداة الأمير عبدالقادر فيما بعد كما سنذكر لاحقا.
3. الأمير عبدالقادر يملأ الفراغ القيادي:
بعد سقوط مدينة الجزائر هاجرت كثير من النخب إما طردا وتهجيرا أو بسبب ضياع المكانة الاجتماعية أو بسبب رفض الخضوع لحكم الأجنبي الكافر مع وجود وصدور فتاوى تحرم الخضوع لسلطة الكفار فكانت من أهم أسباب هجرات كثير من العلماء والمثقفين والرؤساء والأعيان والتجار وأمثالهم، مما أثّر سلبًا على المجتمع الجزائري رغم وجود فتاوى أخرى بوجوب البقاء مع الشعب لتعليمه وتثبيته، وهذه الهجرات أحدثت فراغا قياديا في المجتمع بعد سقوط عاصمة البلاد وسقوط وهران عاصمة بايلك الغرب في يد الاحتلال.
أمام هذا الفراغ القيادي والمؤسسي تقدّم الشيخ محي الدين بن مصطفى الحسني الذي كان آنذاك مقدم الطريق القادرية بمعسكر وأعلن الجهاد ضدّ المحتل الفرنسي بعد سقوط وهران في يد الفرنسيين يوم 4 جانفي 1831، وقاد الشيخ محي الدين بنفسه ومعه ابنه عبدالقادرعدة معارك ضد المحتلين حول مدينة وهران لمنع توسّع العدو.
ومع تقدم الشيخ محي الدين في السنّ اقترح على قادة المجاهدين ابنه عبدالقادرالبطل الميداني لقيادة المقاومة فبويع على ذلك يوم 27/11/1832 ثم حصلت بيعة عامة في معسكر يوم 4/2/1833، وتعتبر البيعة العامة للأمير عبدالقادرفي معسكر يوم 4/2/1833 الإعلان الرسمي لبداية الدولة الجزائرية الحديثة واسترجاع السيادة المتهاوية يوم 5/7/1830 باستسلام حاكم الجزائر الداي الحسين، فقاد الأمير عبدالقادرالجهاد والدولة الوليدة على عدة مسارات.
رابعًا: مسارات في جهاد الأمير عبدالقادر وبناء الدولة:
لقد اتخذ الأمير عبدالقادرمنهجية مدروسة لاستعادة السيادة من خلال مجموعة من المسارات يمكن إيجازها في الأتي:
1- مسار بناء الدولة:
حيث أعلن الأمير يوم بيعته أنه سيقتدي بالخلفاء الراشدين حتى وصفه أحد قادته وهو الشيخ قدور بن رويلة قائلًا: (من تعففه أنه لا يدخل بطنه الشريف ولا بيته الطاهر المنيف شيئا من متاع بيت المال قلّ أو جلّ))
كما قسّم الأمير البلاد إلى ثمانية أقاليم وضع على كل رأس إقليم خليفة وشكّل مجلس الشورى وأمينه الشيخ مصطفى بن التهامي وأنشأ ثماني وزارات منها: الداخلية والخارجية والمالية والأوقاف والحربية.. وكان يدير ما يساوي ثلثي مساحة الجزائر.
واعتمد أيضا الأمير الهيكل القديم لنظام البايلك مع بعض التعديلات أي: خليفة وآغا وقائد وشيخ، مثل التقسيم الإداري اليوم: ولاية - دائرة – بلدية – قرية أو حي.
كما عمّم الأمير مطالب الدولة المتعلقة بالجباية والعشور على الجميع (المخزن، الكراغلة، الحضر...) للخروج من التقسيم الطبقي السابق الذي كان يعزل مسؤولي الدولة وعمالها عن الشعب.
ونظم الأمير القضاء وصار في مقام القاضي الأول وراسل الناس وأعلن أن: كل من له شكوى ضد شيخ أو قائد أو آغا أو خليفة فليرسله إلى الأمير من غير واسطة فإن الأمير ينصفه من ظالمه..
لقد حرص الأمير على دمج القبائل في المقاومة ومنعها من الارتباط بالاحتلال عن طريق الترغيب والترهيب لأن عددا منها كان متقلب الأهواء والولاءات.
كما اتخذ الأمير مدينة معسكر عاصمة له وقاعدة للمقاومة ولذلك حرص الجيش الفرنسي على احتلالها وتم له ذلك سنة 1841، فانتقل الأمير إلى منطقة تاكدامت قرب مدينة تيارت الحالية وهي منطقة جبلية واتخذها عاصمة له لكن جيش الاحتلال حاصرها ودمرها فاضطر الأمير إلى اتخاذ عاصمة متنقلة تسمى الزمالة عدد سكانها 30,000 وظل يتنقل بجيشه وإدارته وسكانه وأمواله مقاوما من مكان إلى مكان إلى أن حاصره الفرنسيون سنة 1843 وسقطت الزمالة في أيديهم فاضطر الأمير إلى دخول الأراضي المغربية.
2- مسار تأطير القبائل والطرق الصوفية:
اجتهد الأمير عبدالقادر في تأليف القلوب وتجميع القبائل لجهاد المحتل ونفس الشيء فعله مع الطرق الصوفية والكراغلة وقبائل المخزن والحضر، لكن تفكك المجتمع وغياب القدرة على العمل المشترك والتعاون والعجز عن فهم التحديات والمخاطر جعل الكراغلة مثلا لا يعترفون بسلطة الأمير عبدالقادر وبعضهم يتعاون مع الاستعمار وبعض قبائل المخزن تريد من الفرنسيين الدور الذين كانت تقوم به قبل سنة 1830، وقد أضاعت هذه السلوكات المشينة الكثير من الفرص والجهود والأوقات.
ويبدو أنّ الحسد والمنافسة وأثقال الماضي التي عبّر عنها القرآن الكريم في مثل قوله تعالى: ﴿أنى يكون له الملك علينا﴾ [البقرة: 247]. وكذلك قصور النظر في آفاق المستقبل عند هؤلاء المخالفين للأمير كان جيشًا ثانيًا ضدّه إضافة إلى الجيش الفرنسي، وإن قوانين التاريخ وسنن المجتمعات وأسباب قيام الدول وسقوطها غلابة كما قال الإمام حسن البنا.
3- مسار جهاد الأعداء:
- شكل الأمير عبدالقادر من أول يوم أعلن فيه الجهاد وقيام الدولة جيشًا اسمه الجيش المحمدي مكونا من 8000 جندي و2000 فارس و2240 مدفعا خفيفا و20 مدفعًا ثقيلًا، إضافة إلى المتطوعين.
- نظم الأمير الرتب العسكرية وقسّم الجيش إلى كتائب وسرايا وفصائل.
- بنى الأمير مصنعا للسلاح في مدينة مليانة الحصينة وهي إحدى ولاياته الثمانية.
- خاض الأمير عبدالقادر معارك كثيرة مع الفرنسيين وانتصر في الكثير منها، رغم تفوق جيش الاحتلال في العدد والعُدد، إذ كان عدد جنود الجيش الفرنسي 108000 جندي إضافة إلى مَنْ تم تجنيدهم من الجزائريين الموالين للاحتلال.
ومن المعارك الكبرى التي خاضها الأمير عبدالقادر:
معركة المقطع في 18/06/1833 معركة السكاك في تلمسان 1836
معركة مستغانم في 27/07/1833 معركة بن زيتون في 1838
معركة الهبرة في 1835 معركة كراز بالعفرون 1840
معركة التافنة في 25 /01/ 1836 معركة موزاية في 12/05/1840
4- مسار إبرام المعاهدات وإقامة العلاقات الدولية:
رغم الحرب والحصار إلاّ أن الأمير عبدالقادر كانت له تحركات ذات نوعية تنم عن روحه القيادية والتي تجسدت في إبرام المعاهدات وإرسال المراسلات السياسية وتجسير العلاقات التجارية مع دول وحكومات مثل المغرب وإسبانيا وبريطانيا وفرنسا، حيث أمضى مع هذه الأخيرة فقط عدة معاهدات من أهمها:
- معاهدة دي ميشيل في 04/07/1834 وفيها اعترفت فرنسا بإمارة الأمير عبدالقادر على الغرب الجزائري ما عدا مدينة وهران.
- معاهدة التافنة في 30/05/1837 وفيها اعترفت فرنسا بسيادة الأمير على ما يملكه.
وكانت للأمير مراسلات مع علماء مصر لاستفتائهم في حكم جواز قتال سلطان المغرب الذي تحالف مع الفرنسيين فأفتوا بالجواز.
5- التحديات والصعوبات التي واجهت الأمير:
يمكن إيجاز أهم التحديات والصعوبات التي واجهت الأمير ودولته فيما يلي:
-حالة الفراغ الرهيب الذي تركه سقوط السلطة في الجزائر، وهجرة النخب وصعوبة انقياد القبائل -خاصة قبائل المخزن- ورفض الكراغلة الدخول تحت سلطة الأمير بل حتى بعض شيوخ الزوايا والطرق الصوفية تمرّدوا عليه.
- ضعف روح الجهاد واهتزاز الولاء للأمة واستعداد بعض المكونات للتحالف مع الأعداء.
- شيوع الروح السلبية والاستسلام للواقع.
- ابتعاد أغلب الناس عن الشأن العام قبل الاحتلال واقتصار الاهتمام به عند فئات قليلة من المجتمع أي قيادات البلاد من الأتراك والحضر، مما أضعف الارتباط بالدولة فضلًا عن مواكبة الأمم الأخرى.
- التباين الكبير بين مستوى التطور السياسي والإداري والعلمي والصناعي في أوروبا وبين مستواه في الجزائر والعالم الإسلامي في ذلك الوقت.
خامسًا: الأمير المقاوم إلى آخر رمق:
لقد عرض الفرنسيون على الأمير عبدالقادر سنة 1844 أثناء لجوئه إلى المغرب الهجرة إلى مكة المكرمة لكنه رفض عرضهم قائلًا: (ساعة جهاد أفضل من عيش 70 سنة في مكة).
وخلّد ملحمة المقاومة والثبات شعرًا فقال:
لنا في كل مكرمة مجالُ *** ومن فوق السماك لنا رجالُ
ركــبنا للـــمكارم كل هـولُ *** وخضنا أبحرا ولها زجـالُ
ورثنا سؤدداً للعرب يبقى *** وما تبقى السماء ولا الجبالُ
سلوا تخبركم عنا فرنسا *** ويصدق إن حكت منها المقالُ
فكم لي فيهم من يوم حرب *** به افتخـر الزمـان ولا يــزالُ
- اتبع الجيش الفرنسي في حربه ضدّ الأمير عبدالقادر والمقاومة سياسة الأرض المحروقة، فأحرق المدن والقرى والمزارع دون رحمة، وأحرق كذلك مدينة معسكر العاصمة الأولى للأمير، كما أحرق عاصمته الثانية تاكدامت وعاصمته الثالثة الزمالة، ونظم الأمير جيشه خلال هذه المرحلة على شكل مجموعات صغيرة وقام بما يسمى حرب العصابات.
- اضطر الأمير عبدالقادر في أكتوبر سنة 1843 إلى دخول المغرب وناصرته القبائل المغربية خاصة في منطقة الريف كما ناصره سلطان فاس في البداية ثم انقلب عليه تحت ضغط الفرنسيين الذين عقد معهم السلطان معاهدة طنجة يوم 10/11/1844 ومعاهدة لالة مغنية يوم 18/03/1845 ، التزم إثرها السلطان المغربي الكف عن دعم الأمير عبدالقادر والاعتراف بشرعية الاحتلال الفرنسي للجزائر واعتبار الأمير عبدالقادر خارجًا عن القانون في كل من المغرب والجزائر، مما جعل سلطان المغرب يحرض القبائل المغربية على الأمير عبدالقادر، فوجد الأمير نفسه محاصرا من الشرق والشمال من الجيش الفرنسي ، ومن الغرب محاصرا من الجيش المغربي خلال سنتي 1846 -1847.
- لكن بعد مناوشات مع الجيش المغربي ومعركة واد ملوية يوم 15/12/1847 وجد الأمير نفسه محاصرًا بين فكي كماشة فاستشار من معه من القيادات والمجاهدين فتوصلوا إلى ضرورة عقد اتفاقية مع الفرنسيين، والحل في الهجرة إلى الإسكندرية أو عكا مع طلب الأمان لكل من كان مع الأمير من جنود وعاملين وعائلات، وأن لهم الحرية في العودة إلى قبائلهم أو الهجرة معه أو الهجرة إلى بلد آخر فوقعت الاتفاقية في أواخر سنة 1847.
- كان الاتفاق مع الفرنسيين أن يذهب إلى الإسكندرية أو عكا، لكن السفينة الفرنسية أخذته إلى ميناء تولون الفرنسي واحتجز في فرنسا مع عائلته إلى غاية ديسمبر 1852، ثم أطلق سراحه وسافر إلى تركيا وكان محل تبجيل كبير من السلطان العثماني عبدالمجيد الأول وسكن مدينة بورصة التاريخية إلى غاية سنة 1855 ثم استأذن في الرحيل، ورحل فعلًا إلى الشام بحرًا عن طريق بيروت، وقد سبقته شهرته إلى الشام وصار مقصد العلماء والعظماء والرؤساء والسفراء، خاصة بعد مساهمته الفعالة سنة 1860 في إطفاء نار الفتنة التي وقعت بين المسلمين والمسيحيين في دمشق وعاش الأمير في بلاد الشام معلمًا وموجهًا إلى أن وافته المنية سنة 1883 وقصة الأمير عبدالقادر ودوره في بلاد الشام موضوع آخر جدير بالدراسة.
سادسًا: الأمير عبدالقادر تحديات وإنجازات:
ويمكننا في ختام هذه المداخلة الوقوف على أهم التحديات التي واجهت الأمير عبدالقادر وكذا أهم إنجازاته، وذلك فيما يلي:
1- التحديات وآليات المواجهة:
- سقوط الدولة والفراغ القيادي والنخبوي، واجه الأمير ذلك بإعادة تأسيس الدولة وبناء هياكلها.
- سقوط الجيش النظامي وطرد رجاله من الجزائر، واجه الأمير ذلك بتشكيل جيش نظامي.
- سقوط راية جهاد البحر التي دامت أكثر من 300 سنة، واجه الأمير ذلك برفع راية الجهاد ضدّ المحتلّ.
- العمل العام وجهاد الأعداء كان نخبويًّا غالبًا قبل الاحتلال فأصبح أثناء مقاومة الأمير عبدالقادر وما بعدها شعبيًّا واسعًا.
- المجتمع الجزائري كان مقسمًا قبل الاحتلال إلى أتراك وكراغلة وحضر وشيوخ قبائل وشيوخ زوايا وسكان أرياف يمثلون أغلبية الشعب فتغيرت هذه التركيبة بمقاومة الأمير عبدالقادر وما بعدها بلا رجعة.
2- إنجازات الأمير عبدالقادر:
- منع سقوط الدولة واستعادتها من جديد بقيادة جزائرية خالصة مدة 17 عامًا، وإبقاء باب استعادتها مفتوحاً رغم أن الاستعمار الفرنسي ألغى الدولة الجزائرية بشكل كامل وألحقها بفرنسا سياسيًّا وثقافيًّا وإداريًّا وفرض الفرنسة على أوسع نطاق وجعل الجزائريين مواطنين من الدرجة الثانية ووضع القوانين لتكريس ذلك.
- إبقاء راية الجهاد مرفوعة وهو ما حدث طيلة أكثر من 60 سنة بعد الأمير.
- تحويل قضية تحرير الجزائر من قضية نخبوية إلى قضية شعبية.
- لأول مرة في تاريخ الجزائر ينبثق القائد من الشعب، والمقاومة يقودها الشعب في الأرياف من غير ارتباط بالقوى الخارجية بأي شكل.
- تعتبر الجزائر الأمير عبدالقادر مؤسس ومرجع الدولة الجزائرية الحديثة النابعة من الشعب وتضحياته، والحاملة راية الجهاد والتحرر.
- جهاد الأمير عبدالقادركان ملهماً لكل المقاومات الشعبية بعده من ثورة الزعاطشة ولالة فاطمة نسومر إلى ثورة المقراني والشيخ الحداد وثورة بوعمامة وأولاد سيدي الشيخ إلى غاية حرب التحرير الكبرى.
- جهاد الأمير عبدالقادر كان ملهماً للكفاح السياسي في الجزائر بعد الحرب العالمية الأولى ومرجعاً لنضال حفيده الأمير خالد وكل أطياف الحركة الوطنية الجزائرية، وخاصة نجم شمال أفريقيا وحزب الشعب وحركة الانتصار وجبهة التحرير الوطني، والتي وضعت استعادة الاستقلال الوطني والسيادة بكل الوسائل الثورية هدفها الرئيسي، وقد كان هذا الإلهام إبداعًا وإنجازًا كبيرًا جسدته ثورة نوفمبر 1954، وبيانها المؤسس الذي كان هدفه الأول:
"إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية".
وكان الثمن مليونا ونصف مليون شهيد خلال الثورة التحريرية، وأكثر من ستة ملايين شهيد منذ معركة اسطاوالي في جوان 1830 إلى غاية الاستقلال عام 1962، وهكذا كان الأمير عبدالقادر ملهمًا لكل الأجيال، وملهماً للجزائر دولة وشعباً، وملهما للأمة وللبشرية.
كتبه نصر الدين سالم الشريف (الجزائر)
المراجع:
- عصر الأمير عبدالقادرالجزائري: د/ناصر الدين سعيدوني
- الأمير عبدالقادرالجزائري رائد الكفاح الجزائري: د/يحي بوعزيز
- الأمير عبدالقادرالجزائري عبقرية في الزمان والمكان /مخبر البحوث الاجتماعية والتاريخية -جامعة معسكر
- سيرة الأمير عبدالقادر: د/محمد علي الصلابي
- دور القيادة في بناء الأمة: د/علي شيخون
.