حكايات تربوية

الفقير الذي رفض المليون وأصبح أسعد الناس

الفقير الذي رفض المليون وأصبح أسعد الناس

كان مراد يشبه جذع شجرة قاوم الرياح طويلًا، يعيش في بيت قديم عند طرف القرية، سقفه من الخشب الذي يئن كلما هبَّ النسيم، وجدرانه تشققت كوجه رجل حمل أحمالًا أكثر مما يحتمل.

كان يعمل حارسًا لحديقة عامة، يفتح بوابتها كل فجر، ويغلقها عند الغروب، وبينهما يجلس تحت شجرة التوت الكبيرة، يشاهد الأطفال يركضون، والعصافير تبني أعشاشها كأنها تعلمه درسًا في الرضا لا يُنسى.

لم يكن يملك من الدنيا إلا ابتسامة صافية… تلك الابتسامة التي كانت أغلى ما في القرية.

وذات صباح، بينما كان يكنس الممرات، توقفت سيارة فارهة أمام بوابة الحديقة، نزل منها رجل أنيق يحمل حقيبة سوداء صغيرة. اقترب من مراد قائلًا :– أنت مراد بن إبراهيم؟
– نعم… ماذا تريد؟
فتح الرجل الحقيبة ببطء، وكأن الضوء تصاعد منها، وقال:
– لقد ترك لك عمك البعيد وصية… مليون ريال نقدًا. المال مالك الآن.

تجمدت المكنسة بين يدي مراد. لوهلة، خُيِّل إليه أنه يحلم. ظل ينظر إلى النقود كما ينظر طفل إلى سماء تمطر حلويات.

ثم سأل بصوت مرتجف:
– وما المطلوب مني؟
– لا شيء… فقط توقيع بسيط، وتأخذ المليون الآن.

صمت مراد طويلًا. كان بإمكانه أن يمد يده وينقل حياته من التراب إلى الذهب في لحظة واحدة. لكنه لم يمدها.

فجأة، قال بصوت ثابت:
– لا أريد المال.

رفع الرجل حاجبيه في دهشة:
– ماذا؟ لماذا؟ أأنت مجنون؟
أجاب مراد وهو ينظر إلى شجرة التوت:
– لأن هذا المليون سيشتري مني ما لا أريد أن أبيعه… راحتي ووقتي وقلبي.

جلس على المقعد الخشبي وأكمل:
– أعرف نفسي… إن أخذت المال، سيتغير كل شيء. سيقف الناس على بابي، ويطلبني من لم يكن يسأل عني. سأبدأ بالخوف من السرقة، والخوف على الرصيد، والخوف من الغد… والقلق أثمن من المال.

– ولكنك فقير!
ابتسم مراد:
– الفقر الحقيقي ليس في الجيوب بل في النفوس. أنا أنام مطمئنًا… وآكل من رزق الله… وأسمع ضحكات الأطفال كل يوم. ماذا سأسمع بعد المليون؟ صراخ التجار؟ ومطالب الأقارب؟ وخوف الحسابات البنكية؟

كان الرجل يحاول أن يفهم، ومحاولته كانت كمن يحاول فهم لغة ليست لغته.

في المساء، عاد مراد إلى بيته، أشعل مصباحه القديم، وجلس أمام كوب شاي بسيط، ونظر إلى الحائط الذي يعرف كل حكاياته. شعر براحة لم يشعر بها منذ سنوات، كأن الله وضع في صدره نهرًا من السكينة.

وفي اليوم التالي، أصبح خبر “الفقير الذي رفض المليون” حديث القرية. بعضهم وصفه بالجنون، وبعضهم بالحكيم. لكنه لم يهتم. كان يجلس في الحديقة كما كان، يحيّي الأطفال، ويطعم القطط، ويبتسم للعصافير.

ومع الأيام، لاحظ الجميع أن مراد صار أسعد مما كان. صار صوته في السلام أعلى، وخطواته أخف، وعيناه أصفى، وكأن رفضه للمليون كان قبولًا لـ… حياة جديدة.

حياة بلا خوف… بلا طمع… بلا حسابات.

وذات يوم، سأله طفل صغير ببراءة:
– عم مراد، هل ندمت أنك رفضت المليون؟
ربت على رأسه وقال مبتسمًا:
– كنت سأشتري بالمليون أشياء كثيرة… لكنني كنت سأبيع شيئًا واحدًا لا يقدَّر بثمن: قلبي الهادئ.
والذي يبيع قلبه… لا يربح مهما اشترى.

ثم أشار إلى صدره وقال:
– عندما يكون الداخل مرتاحًا… لا شيء في الخارج يعكّره. أنا لست أغنى الناس مالًا… لكني أغناهم سلامًا. وهذا أثمن من مليون… ومن الدنيا كلها.

وهكذا…
لم يصبح مراد مليونيرًا، لكنه أصبح أسعد الناس.

 

.

د. علي يلماز

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم