الأسرة

ملــف أولادنــا

قومٌ ليسوا بأنبياء ولا شهداء ويغبطهم الأنبياء والشهداء

قومٌ ليسوا بأنبياء ولا شهداء ويغبطهم الأنبياء والشهداء

من أعظم ما نخافه على أبنائنا صحبةُ السوء؛ فنمنع ونحذّر ونراقب. وهذا حسن، لكنّ الأنفع منه أن نغرس فيهم معيارًا يختارون به أصحابهم، وأن نحبّب إليهم نوعًا من العلاقات هو أشرف ما يربط بين الناس: الحبّ في الله.

وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب هذه الرابطة وصفًا يهزّ القلوب؛ فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء". قالوا: يا رسول الله، تخبرنا من هم؟ قال: "هم قومٌ تحابّوا بروح الله على غير أرحامٍ بينهم ولا أموالٍ يتعاطونها؛ فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس"، ثم قرأ:﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[يونس: 62] (رواه أحمد).

فتأمّل المعيار الذي ذكره  ﷺ: "على غير أرحامٍ بينهم ولا أموالٍ يتعاطونها"؛ أي أن رابطتهم ليست قرابةً تجمعهم ولا مصلحةً مادّية تربطهم، بل الله وحده. وهذه أنقى صورة للعلاقة الإنسانية.

 

لماذا نربّي أبناءنا على هذا؟

لأن الصحبة تصنع الإنسان. فابنك سيتشكّل بمن يصاحب أكثر ممّا يتشكّل بما تقوله له؛ فمن صاحب أهل الخير أخذ منهم، ومن صاحب غيرهم أخذ عنه.

ولأن العلاقة المبنية على المصلحة تنتهي بانتهائها. فالصديق الذي جاء لمنفعة يذهب حين تنقطع؛ أمّا الأخ في الله فيبقى في السرّاء والضرّاء، بل يبقى بعد الموت دعاءً واستغفارًا.

ولأنها تصنع أمانًا نفسيًّا للطفل. فالحديث يصف أصحابها بأنهم لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزنوا؛ فمن كان له إخوةٌ في الله وجد سندًا يعينه على شدائد الحياة.

 

كيف نغرس هذا في البيت؟

علّمهم المعيار: لماذا تحبّ صاحبك؟ فاسأل ابنك أسئلةً هادئة عن أصدقائه: ما أحبّ ما فيه؟ وهل يعينك على الخير أم يجرّك إلى غيره؟ فالطفل الذي يتعوّد أن يزن صحبته، لا يحتاج منك مراقبةً دائمة.

افتح بيتك لأصدقائهم الصالحين. فبدل أن تمنع الصحبة فقط، وفّر البديل: اجعل بيتك مكانًا يجتمع فيه أبناؤك بأقرانٍ صالحين؛ فمن لم يجد صحبةً طيبة، ذهب إلى غيرها.

اربطهم بأنشطة جماعية نافعة. مسجدٌ، أو حلقة قرآن، أو نشاط رياضي أو تطوّعي؛ فالأخوّة تُبنى بالعمل المشترك لا بالكلام عنها.

كن أنت نموذجًا في اختيار أصدقائك. فأبناؤك يرون من يزورك ومن تزوره، ويسمعون كيف تتحدّث عن أصحابك. فالبيت الذي يزوره الصالحون يربّي أبناءً يطلبون صحبتهم.

علّمهم أن يقولوا: "إني أحبّك في الله". فهذه الكلمة من هدي النبوّة، وهي تربّي في الطفل صراحةً في المودّة وصدقًا فيها؛ ومن قالها تعلّم أن الحبّ يُعلن ويُبنى على أساسٍ شريف.

وعلّمهم حقوق الأخوّة عمليًّا. التفقّد عند الغياب، والنصح بأدب، والستر عند الزلّة، والدعاء بظهر الغيب؛ فهذه هي التي تحفظ العلاقة وتديمها.

 

أخوّةٌ تبدأ من داخل البيت

ولا تنسَ أن أوّل ميدانٍ للأخوّة في الله هو البيت نفسه؛ فالإخوة الذين يتربّون على أن رابطتهم ليست دمًا فحسب بل حبًّا في الله، تدوم مودّتهم بعد أن يتفرّقوا في بيوتهم. فربِّ بينهم هذا المعنى: أن يحبّ أخاه لصلاحه لا لمنفعته، ويعينه ويستر عليه ويدعو له.

 

خاتمة

لا تكتفِ بتحذير ابنك من صحبة السوء؛ حبّب إليه صحبة الخير وعلّمه معيارها. فمن ربّى أبناءه على الحبّ في الله -لا لقرابةٍ ولا لمالٍ- أعطاهم رابطةً تبقى حين تنقطع كلّ الروابط، ووضعهم على طريق قومٍ يغبطهم الأنبياء والشهداء؛ وأيّ منزلةٍ لأبنائك تتمنّاها فوق هذه؟

 

 

اقرأ أيضًا: أنت نسيجٌ وحدك: المربي الذي يصنع شخصيات لا نسخًا

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم