الأسرة

"أصلهم ويقطعونني" ماذا نفعل مع قريب لا يبادلنا الصلة؟

ما من عائلة تخلو من قريبٍ يزورك فلا يردّ الزيارة، ويهاتفك فلا يسأل عنك، ويقف إلى جانبك فلا تجد له وقفة. وتبدأ الأفكار الثقيلة: لماذا أنا الذي يبادر دائمًا؟ ألا يكفي؟ وهنا يقول المرء في نفسه: سأعامله بما يعاملني به.

وهذا بالضبط ما جاء رجلٌ يشكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

 

الشكوى والجواب

قال الرجل: "يا رسول الله، إن لي قرابةً أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عليهم ويجهلون عليّ." فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لئن كنتَ كما تقول فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظَهيرٌ عليهم ما دمتَ على ذلك." (رواه مسلم).

والمَلّ هو الرماد الحارّ، أي أن إحسانك إليهم مع إساءتهم يكون عليهم كمن يُطعمهم الجمر الحارّ؛ فحجّتُهم عليك ساقطة وأنت المنتصر. ولا يزال معك ظهير من الله، أي مُعين ينصرك عليهم ما دمتَ على هذه الحال.

 

ما الذي يعلّمه الحديث؟

1) أن الصلة لا تُبنى على المقابلة. يقول ملف "التجرد": "يرى العاقل أن صلة الرحم أوسع أبواب استجلاب رحمة الله ورضوانه، ولئن أغلق إنسان هذا الباب فهيهات أن يجد بابًا أقرب منه يوصله إلى رضوان الله." ولهذا يوصي الملف بأن يسدّ العاقل كل منافذ الشيطان التي تسعى لإغلاق هذا الباب، وأن يتفوّق على نفسه التي تدعوه إلى الندّية في المعاملة.

فالندّية، أي "أعامله بمثل ما عاملني"، هي أسهل أبواب القطيعة. وكل طرف يقول إنه ينتظر الآخر، فتطول المدة.

2) أن الله يجعل لك ظهيرًا. الذي يصل من طرف واحد قد يظن أنه خسر، والحديث يقول: بل معك الله. فالصلة ليست مجاملة لقريبك فقط، بل هي ثقة بأن الله هو الذي يعوّضك.

3) أن الصلة خلق أصيل. وصفت أمُّنا خديجة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته فقالت: "والله لن يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتحمل الكلّ، وتعين على نوائب الحق." فجاءت الصلة في أول الصفات التي استدلت بها على أن الله لا يخزي صاحبها.

 

ماذا يعني هذا لأبنائنا؟

الأبناء يراقبون كيف نتصرف مع الأقارب الذين لا يبادلوننا. فإن رأوا أباهم يقول: "لن أتصل حتى يتصل" تعلّموا أن الصلة تجارة. وإن رأوه يتصل ويزور ويدعو بخير رغم الجفاء، تعلّموا أن الصلة عبادة.

 

خمس عادات لبيتٍ يصل رجاءً لا مقابلة

1) ابدأ أنت بالسلام والزيارة، وسمِّ نيتك أمام أبنائك: "نصل عمّك لأن الله أمر بالصلة، وليس لأنه يصلنا."

2) احفظ لسانك عن قريبك أمام الأولاد. حتى لو ظلمك. فالطفل الذي يسمع ذمّ أعمامه يكبر وقد تعلّم أن الأسرة ساحة خصومة.

3) نوِّع أشكال الصلة. إن عسر عليك اللقاء فهناك اتصال قصير، أو رسالة في مناسبة، أو هدية رمزية، أو دعاء. فالصلة ليست زيارة طويلة فقط.

4) افتح لهم الباب بعد القطيعة. إن بادر القريب بعد طول جفاء فاستقبله دون عتاب طويل، فالعتاب الطويل يغلق ما فتحه.

5) اجعل الأطفال يشاركونك. يكتب ابنك بطاقة للجدّ، وتتصل ابنتك بخالتها، وتشاركهم في الدعوة. فتصير الصلة جزءًا من هويتهم.

 

خاتمة

حين يقول قلبك: "كفاني ما عملتُ، فلن أبادر بعد اليوم"، تذكّر قول النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل: "لا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمتَ على ذلك." وكفى بالله ظهيرًا. ثم انظر إلى أولادك الذين يرونك، فهم يتعلمون منك كيف تكون الصلة.

 

 

اقرأ أيضًا: تربية أبنائنا على تعظيم ما فعله النبي ﷺ

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم