يتعثّر كثير من المربين في أحد طرفين: مربٍّ لا يسكت عن خطأ، ينصح في كل موضع ولا يقبل نصحًا من أحد؛ ومربٍّ يخشى أن يُغضِب فيسكت عن الحق، فتُجاوره الأخطاء حتى تتحوّل إلى عادات. وبين الطرفين ميزانٌ وضعه النبي -ﷺ- في كلمتين: "الدين النصيحة".
"الدين النصيحة": ما معناها؟
قال النبي ﷺ: "الدين النصيحة." قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامّتهم" (رواه مسلم).
وهذه الكلمة الجامعة تجعل النصيحة عمودَ الدين لا خُلُقًا ثانويًّا، وتجعلها شاملة: لله بالإخلاص له، وللرسول -ﷺ- باتباعه ومحبته، وللكتاب بالتمسك به وتعظيمه، وللأئمة وللعامة بإرادة الخير لهم وإعانتهم عليه. فمن عدّ النصيحة تدخلًا أو تجريحًا فقد ضيّق ما وسّعه الله ورسوله.
الأخوة لا تعارض حرية الرأي
قد يظنّ بعضهم أن الأخوة الصادقة تقتضي السكوت والمجاملة. والحقيقة أن الأخوة التي جمع الإسلام عليها القلوب أصلٌ من أصول الإيمان، ومع ذلك لا يمنع ذلك حرية الرأي وبذل النصح من الصغير إلى الكبير، ومن الكبير إلى الصغير.
فالنصيحة لا تتوقف عند أحد؛ فكما يُنصح المتربّي، ينصح هو، وكما يرشد المربي، يُرشَد. وهذا الاتجاهان للنصيحة هما اللذان يحفظان الجماعة من الجمود والكِبر ومن التفكك والمجاملة. وقد قال النبي ﷺ: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا" (متفق عليه)، والبنيان لا يشدّ بعضه بعضًا بالصمت، بل بتماسك أجزائه وتقويم المائل منها.
ميزان المربي في النصيحة
1) انصح لله أولًا. فالنصيحة التي تخرج من غضب أو رغبة في إظهار التفوّق ليست نصيحة بل تفريغ. وأول ما في الحديث "لله"؛ فاسأل نفسك قبل أن تنصح: هل أريد إصلاح هذا الإنسان أم الانتصار عليه؟
2) انصح أخاك ولا تسلمه. قال النبي ﷺ: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه" (متفق عليه). فمن رأى متربّيه يتعثّر ثم تركه بحجة الحياء، فقد أسلمه. والنصيحة التي تحفظ كرامة صاحبها هي التي تقرّبه.
3) اقبل النصيحة من الصغير. من الشائع أن ينتظر المربي النصح ممن هم أعلى منه، ويستغرب أن يأتيه من متربٍّ أصغر منه سنًّا أو علمًا. فإن جاءك فلا تبحث عن عمر قائله، بل عن صحة قوله. فربّ ملاحظةٍ من طالب صغير كشفت عيبًا لم تره في نفسك سنين.
4) اجعل في جماعتك بابًا للمصارحة. وقد حذّر القرآن من نتائج التنازع: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]. والمصارحة الهادئة المبكرة هي التي تُغني عن التنازع المتأخر. فاجعل للمتربّين وقتًا يقولون فيه ما يرونه، وللمربي أسلوبًا يستقبل به ما يسمعه.
حين تثقل النصيحة
ليست كل نصيحة تُقال في كل مجلس؛ فالمربي الحكيم يختار الوقت والمكان والعبارة، ويقدّم الستر على الفضح. وتأمّل كيف كان النبي -ﷺ- ينبّه الخطأ بلا تسمية صاحبه حين يكون التعميم كافيًا، كما في قوله: "ما بال أقوام...". وقد فصّلنا هذا الأدب في مقالٍ سابق.
خاتمة
حين جعل النبي -ﷺ- النصيحة هي الدين، رفعها عن مقام الأدب العابر إلى مقام العقيدة العملية. فمن كان مربّيًا فليكن ناصحًا بصدق، قابلًا للنصح بتواضع؛ فبهذا يظلّ قلبه حيًّا، وجماعته قويّة، ومسيرته نقية.
اقرأ أيضًا: التسامح في الديون: كرم أم خطأ اقتصادي؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.