حين يشكو إليك أحدٌ همًّا أو مشكلة، ما الذي تقدّمه له غالبًا؟ كلماتٌ متعاطفة، ونصيحةٌ عابرة، وربّما دعاءٌ صادق. وكلّ هذا خيرٌ لا شكّ فيه. لكنّ قصّة ذي القرنين في القرآن الكريم تعرض علينا نموذجًا يذهب إلى ما هو أبعد من الكلام.
القصّة: شكوى تتحوّل إلى مشروع
جاء قومٌ إلى ذي القرنين يشكون أذى يأجوج ومأجوج الذين كانوا يغيرون عليهم من ممرٍّ بين جبلين، وطلبوا منه أن يبني لهم سدًّا مقابل مال. فلم يكتفِ منهم بالكلام، بل أرشدهم إلى الحركة والعمل وبذل الوسع في الوصول إلى حياةٍ آمنة هانئة. بل ردّ عليهم عرضهم الذي عرضوه من المال، وتطوّع بإقامة السدّ، ورأى أن أيسر طريقةٍ لإقامته أن يستعين بجهدهم هم أنفسهم: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: 96]، حتى إذا سُوّي البناء بين الجبلين، قال: ﴿انفُخُوا﴾، ثم ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: 96].
ما الذي يلفت النظر في هذا الموقف؟
أوّلًا: لم يكتفِ بالتعاطف. فحين سمع الشكوى، لم يقل كلمات مواساة وينصرف؛ بل انتقل فورًا إلى التخطيط العملي: ما المشكلة بالضبط؟ ما الحلّ الممكن؟ كيف يُنفَّذ؟ فالتعاطف عنده كان بداية العمل لا نهايته.
وثانيًا: رفض المال وقدّم الجهد. وهذا لافتٌ جدًّا؛ فقد كان بإمكانه أن يأخذ المال ويرسل من يبني، أو يكتفي بالإشراف. لكنه تطوّع بنفسه، ولم يطلب مقابلًا. فالعمل الذي يُقدَّم بلا انتظار مقابل له أثرٌ مضاعف على من يُقدَّم له.
وثالثًا: أشرك أصحاب الحاجة في حلّ مشكلتهم. فلم يبنِ السدّ بمفرده أو بعمّالٍ من عنده فقط، بل طلب منهم أن يأتوه بزُبَر الحديد، وأن ينفخوا معه؛ فحوّلهم من متلقّين لشكوى إلى شركاء في الحلّ. وهذا أسلوبٌ تربويّ عميق: أن تُشرك من يطلب العون في تحصيله، لا أن تحلّ له كلّ شيء وتُبقيه متّكلًا.
لماذا هذا الدرس مهمّ لنا؟
لأن كثيرًا منّا يتوقّف عند حدود الكلمة الطيبة، ويظنّها كافية؛ والكلمة الطيبة خيرٌ لا شكّ فيه، لكنّها ليست بديلًا عن الفعل حين يكون الفعل ممكنًا. وكثيرًا ما نجد فرقًا واسعًا بين من يقول "الله يعينك" وينصرف، ومن يسأل "كيف يمكنني أن أساعد فعلًا؟" ثم يبدأ بخطوةٍ عملية ولو صغيرة.
كما أن كثيرًا منّا حين يُقدّم عونًا، يفعله كاملًا بنفسه دون أن يُشرك المحتاج في الحلّ؛ فيُنشئ اتّكالًا بدل أن يُنشئ قدرة. أمّا ذو القرنين فأشرك القوم في بناء حلّ مشكلتهم، فتعلّموا في أثناء ذلك مهارةً يحملونها معهم بعد أن يرحل عنهم.
كيف نطبّق هذا في حياتنا وتربيتنا؟
حوّل تعاطفك إلى سؤالٍ عملي. فبدل أن تكتفي بـ"أسأل الله أن يفرّجها"، اسأل: هل هناك خطوةٌ عملية أستطيع تقديمها الآن؟ ولو كانت صغيرة.
قدّم الجهد لا المال فقط حين تستطيع. فالمال يحلّ المشكلة مؤقّتًا أحيانًا، لكنّ الجهد المباشر منك يحمل أثرًا في العلاقة لا يحمله المال وحده.
أشرك من تساعده في الحلّ. فحين يستطيع، اطلب منه أن يشارك بجزءٍ من الجهد؛ فهذا يبني ثقته بنفسه ويصنع منه شريكًا لا متلقّيًا دائمًا.
علّم أبناءك هذا الفرق مبكرًا. فحين يرى صديقًا يعاني من مشكلة، درّبه على أن يسأل: "كيف أساعدك فعلًا؟" بدل الاكتفاء بـ"آسف لسماع ذلك"؛ فهذا يصنع جيلًا فاعلًا لا متفرّجًا.
خاتمة
الكلام الطيب بداية، لكنّه ليس نهاية. فحين تستطيع أن تحوّل تعاطفك إلى فعل، وشكوى غيرك إلى مشروعٍ تشاركه فيه، فقد اقتديت بذلك القائد الحكيم الذي لم يكتفِ بأن يسمع الشكوى، بل بنى سدًّا يحمي به قومًا لم يطلب منهم مقابلًا، وأشركهم في بنائه ليحملوا معه أثره.
اقرأ أيضًا: ثلاثة مبادئ يحرسها كل صاحب رسالة: العمل واللسان والعقل
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.