بحوث ودراسات

الإمام حسن البنَّا والمشروع التغريبي (3)

الإمام حسن البنَّا والمشروع التغريبي (3)

ثالثًا: المشروع الإسلامي

لم يقف الإمام البنَّا -رحمه الله- في مواجهته للحركة التغريبية عند تعريتها وكشف غاياتها والتحذير من أخطارها والتنبيه إلى مساوئها، وإنما قدم في المقابل المشروع البديل، وهو المشروع الإسلامي الذي أكد على ضرورة الأخذ به، وعَرَض مزاياه وحدد مكامن القوة فيه، وسعى لتحقيقه على أرض الواقع من خلال تأسيسه لجماعة الإخوان المسلمين ودعوة أبناء الأمة الإسلامية وحكامها إليه (1).

1 – المنهج المناسب:

ظهرت دعوة الإمام حسن البنَّا في فترة تاريخية كانت فيها الأمة الإسلامية تقف على مفترق طرق، وتبحث عن سبيل تسلكه من أجل الوصول إلى الاستقلال الوطني والحضاري، ولهذا فإنه يؤكد على طبيعة هذه المرحلة وخطورتها فيقول: "أخطر العهود في حياة الأمم وأولاها بتدقيق النظر عهد الانتقال من حال إلى حال؛ إذ تُوضع مناهج العهد الجديد وتُرسم خططه وقواعده التي يُراد تنشئة الأمة عليها والتزامها إياها، فإذا كانت هذه الخطط والقواعد والمناهج واضحة صالحة قويمة، فبشر هذه الأمة بحياة طويلة مديدة وأعمال جليلة مجيدة، وبشر قادتها إلى هذا الفوز وأدلتها في هذا الخير بعظيم الأجر وخلود الذكر وإنصاف التاريخ وحسن الأحدوثة"(2). ثم يحذر الإمام من خطورة عدم امتلاك المنهج المناسب فيقول: "والأمة التي لا تضع منهجَ نهضتها تتخبط في سيرها، فلا تتقدم خطوة واحدة، وقد تتأخر خطوات كثيرة" (3).

وقد حدد الإمام البنَّا شروط المنهج الذي يجب على الأمة الناهضة أن تتبعه للوصول إلى مصاف الأمم الراقية من أقرب طريق، وأكد على أنه "إذا تمكنت أمَّة من وضع منهج تتوفر فيه هذه الشروط فهي واصلة لا محالة إلى ما تبتغى من أقرب الوسائل وأخصر السبل" (4)، وهذه الشروط على النحو التالي:

  • لابد أن يكون واضحًا سهلًا محدود الغايات والمرامي.
  • لابد أن يكون عمليًّا لا يعتمد على الخيال.
  • لابد أن يكون شاملًا يُعبر عن أماني الأمة وعواطفها، وخلجات نفسها، ويصور آمالها ومطالبها.
  • لابد أن يكون محوطًا بصفة من القداسة تدفع إلى المحافظة عليه والتضحية في سبيله.
  • لابد أن يكون بعد ذلك معينًا على جمع كلمتها ومساعدًا على ضم صفوفها وتوحيد وجهتها (5).

لقد توفرت كل الشروط المطلوبة للنجاح في المنهج الإسلامي، وهو ما يُميز المشروع الإسلامي على غيره من المشروعات الأخرى التي جربها العالم من قبل، والتي قلدها المسلمون في ديارهم وثبت نقصها أو فشلها التام. وقد حَدد الإمام البنَّا مزايا هذا المنهج في نقاط محددة، وهي على النحو التالي:

  • المنهج الإسلامي واضح محدود فلا نضيع وقتًا في ابتكار التجارب، واختراع النظم.
  • وهو عملي لا يعتمد على الخيال ولا يهتم بتنسيق النظريات الوهمية، ولكنه يُنادي الناس جهارًا: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ...﴾ [التوبة: 105]، ويُعالج النفوس والمشاكل بالعمل لا بالقول، وبالتكاليف لا بالأحلام.
  • وهو كذلك قد جُرب من قبل وشهد التاريخ بصلاحيته، وأخرج للناس أمَّة من أقوى الأمم وأفضلها وأرحمها وأبرها وأبركها على الإنسانية جميعًا.
  • وله من قدسيته واستقراره في نفوس الناس ما يُسهل على الجميع تناوله وفقهه والاستجابة له والسير عليه متى وجهوا إليه.
  • وهذا المنهاج هو أقرب المناهج إلى أرواحنا وألصقها بنفوسنا، فقد صحبناه أربعة عشر قرنًا تأصل فيها في النفوس وافتدي بالدماء والأرواح.
  • وهو شامل لكل أماني الأمة، فهو يشعرها بعزتها وكرامتها في قوله تعالى: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8].
  • ويتسامى بالأمة إلى مكانة رفيعة ومقام عزيز، فيقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]، وهذه المنزلة هي منزلة الأستاذية العامَّة في العالم كله، حيث تعلم أهله وتقيم ميزان العدالة فيه وتحطم صروح الظلم والمنكرات.
  • ويحفظ عليها مقوماتها وخواصها ومميزاتها كاملة غير منقوصة، ويحذرها أن تنتقص منها بموالاة من يفسد عليها أمرها فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتِّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ…﴾ [آل‌عمران: 118].
  • وفيه الاعتزاز بالقومية والإشادة بالوطنية الخالصة؛ إذ إننا نبني حياتنا على قواعدنا وأصولنا، ولا نأخذ عن غيرنا. وفى ذلك أفضل معاني الاستقلال الاجتماعي والحيوي بعد الاستقلال السياسي.
  • وفى السير عليه تقوية للوحدة العربية أولاً ثم للوحدة الإسلامية ثانيًا، فيمدنا العالم الإسلامي كله بروحه وشعوره وعطفه وتأييده، ويرى فينا أخوة ينجدهم وينجدونه ويمدهم ويمدونه، وفى ذلك ربح أدبي كبير لا يزهد فيه غافل.
  • يوحد بين عناصر الأمة ويؤلف بين طوائفها فيضع لها هذا الميزان المضبوط الدقيق ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: 8-9].
  • يضع لها القواعد في العبادات والمعاملات والقوانين والأخلاق والصحة والاجتماع والعلم والتعلم، بل والمطعم والمشرب، بل في كل شئون الحياة.
  • كما أنه تام شامل كفيل بتقرير أفضل النظم للحياة العامة في الأمة عملية وروحية، وهذه هي الميزة التي يمتاز بها الإسلام، فهو يضع نظم الحياة للأمم على أساسين مهمين: أخذ الصالح وتجنب الضار.
  • وهو قادر على أن يجنبنا المشاكل الحيوية التي وقعت فيها الدول الأخرى التي لم تعرف هذا الطريق ولم تسلكه، بل استطاع حل كثير من المشاكل المعقدة التي عجزت عن حلها النظم الحالية من قبل (5).

2 – عوامل القوة في المشروع الإسلامي:

تحتاج الأمم في حال نهضتها إلى عواطف ومشاعر ونظم وقواعد تدفع أبناءها إلى العمل على إصلاح أحوالها والإيمان بحتمية الوصول إلى أهدافها المنشودة. ويرى الإمام البنَّا -رحمه الله- أنه إذا كانت الرغبة في النهوض والتقدم هي السبب في تقليد الغرب والتشبه به فإن في إسلامنا ما يصل بنا إلى النهضة والمدنية الحديثة، ويُغنينا عن التبعية والتقليد، ويُجنبنا أخطاء غيرنا، ويوفر علينا الوقت والجهد الضائع في تجربة أنظمة ثبت فشلها وعمَّ ضررها.

لقد استخرج الإمام البنَّا عوامل النهضة ومرتكزاتها من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، واستشهد على نجاحها بشواهد من التاريخ الإسلامي. وهي عوامل تعنى بالجانب الروحي والجانب المادي معًا. وهي على النحو التالي:

القوة النفسية: 

هناك أمور لابد من توفرها عند تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال والانتصار لمنهج من المناهج، ومجموع هذه الأمور هو ما يُسميه الإمام البنَّا "القوة النفسية"، والتي يفسرها ويحدد أركانها في قوله: "إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه، والخديعة بغيره" (7).

ثم يأتي بعد ذلك الأمل الواسع في إمكانية التغيير والتحول من الاستضعاف إلى التمكين، ومن الذل إلى العزة، ويقوى هذا الأمل بالإيمان بتحقق وعد الله للأمة المسلمة، وهو ما أكد عليه القرآن الكريم حينما جعل القنوط سبيلًا إلى الكفر، وبث في المسلمين روحًا من الأمل تُخرج من الأمة الميتة أمة كلها حياة وهِمَّة وعزم (8). يقول تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: 5-6].

ويرى الإمام البنَّا أن هذه الأركان الأولية تختص بالنفس، وأن هذه القوة الروحية هي الأساس الذي تُبنى عليه المبادئ وتتربى عليه الأمم الناهضة وتتكون الشعوب الفتية وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمناً طويلاً(9)، وأن الشعب الذي يفقدها – أو يفقدها قادته ودعاة الإصلاح فيه – فهو شعب عابث مسكين، لا يصل إلى خير، ولا يحقق أملاً، وحسبه أن يعيش في جو من الأحلام والظنون والأوهام (10).

الأخلاق: 

تحتاج الأمم الناهضة إلى الخلق الفاضل الذي تستطيع أن تواجه به متطلبات العصر الجديد ومستحدثاته، هذا الخلق الذي لا يُغني عن القوانين الوضعية في مواجهة الآثار السلبية المحتملة للتقدم المادي.

يقر الإمام البنَّا بأهمية القوة المادية في إحداث النهضة وتحقيق التقدم، ولكنه يجعلها في المرتبة الثانية بعد الأخلاق، ويقول: "يظن كثير من الناس أن الشرق تعوزه القوة المادية من المال والعتاد وآلات الحرب والكفاح لينهض ويسابق الأمم التي سلبت حقه وهضمت أهله، ذلك صحيح ومهم، ولكن أهم منه وألزم: القوة الروحية من الخلق الفاضل والنفس النبيلة والإيمان بالحقوق ومعرفتها والإرادة الماضية، والتضحية في سبيل الواجب والوفاء الذي تنبني عليه الثقة والوحدة، وعنهما تكون القوة" (11).

ويستند الإمام في تأصيل رأيه هذا إلى القرآن الذي يجعل من صلاح النفس وتزكيتها أساسًا للفلاح والنجاح، فيقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]، ويؤكد على أن تغيير شئون الأمم وقف على تغير أخلاقها وصلاح نفوسها، فيقول تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

أمَّا منبع الأخلاق الفاضلة فهو الإسلام الذي يُحيي الضمير ويوقظ الشعور وينبه القلوب، ويترك مع كل نفس رقيبًا لا يغفل، ويدفعها إلى الخيرات دفاعًا ويدعها عن المآثم دعًّا، ويجنبها طريق الذلل، ويبصرها سبيل الخير والشر، ويجمع أشتات الفضائل والمكارم، ويدعو إلى تزكية النفوس والسمو بها وتطهير الأرواح وتصفيتها والتضحية في سبيل الحق (12).

العزة القومية: 

تحتاج الأمة الناهضة إلى الاعتزاز بقوميتها، ذلك الاعتزاز الذي يدفع أبناءها إلى التضحية بدمائهم وأرواحهم من أجلها والعمل لخيرها وإعزازها. وقد أكد الإمام البنَّا على أن هذا يتحقق حينما يعتز أبناء الأمة بفضلها ويفخرون بتاريخها، ويدركون حقيقة التكريم الذي خصهم به ربهم في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل‌عمران: 110].

لقد نظر الإمام البنَّا إلى الأمم الحديثة فوجدها تعمل على ترسيخ معاني العزة القومية في نفوس أبنائها، وهو ما يتضح من الشعارات التي خرجت من الغرب من قبيل: "ألمانيا فوق الجميع" و"إيطاليا فوق الجميع" و"سودي يا بريطانيا واحكمي"، وأدرك أنه لابد أن نعود إلى الاعتزاز بقوميتنا والفخر بها، وأن نجعل لتاريخنا وحضارتنا وماضينا نصيبًا من التقدير والإجلال، فلا نفنى في غيرنا من الأمم، ولا ننكر فضلاً سجله التاريخ لأسلافنا ولهج الزمان بذكره وعرفته لهم الأمم جمعاء، وكان دعامة من دعائم المدنية الحالية(13).

ويفرق الإمام البنَّا بين قوميتنا وقومية غيرنا، فقوميتهم تقوم على العصبية التي تستهوي قلوب الشعوب وتُحرك عواطف الأمم، وتؤجج نيران التعصب في نفوس أصحابها، فيفاخر هذا بجنسه ويتعالى ذاك بأصله، وهي قومية التناحر والعدوان على الأمم الضعيفة، والتي ذمَّها رسول الله -ﷺ- في قوله: "دعوها فإنها منتنة". أمَّا قوميتنا فهي القومية التي عرَّفها الإمام البنَّا بأنها لا تقوم على العصبية الجنسية والفخر الكاذب بل قيادة العالم إلى الخير(14)، وتتسع دائرتها لتشمل القُطر الخاص أولًا، ثم تمتد لتحتوي الأقطار الإسلامية ثانيًا، ثم يزداد اتساعها لتشمل البشرية كلها، هذا الاتساع الذي يدفع المسلم إلى العمل لخير الناس جميعًا. ولهذا فإن الله حدد السبب في خيرية الأمة الإسلامية فقال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ…﴾ [آل‌عمران: 110].

العلم: 

العلم ركيزة النهضة، فهو الذي يمدها بالمخترعات والمكتشفات، وقد أشار الإمام البنَّا -رحمه الله- إلى مقام العلم في الإسلام فأكد على أن الإسلام لا يُعارض العلم، بل يجعله فريضة من فرائضه. يقول الإمام: "الإسلام يُحرر العقل، ويحث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء، ويرحب بالصالح والنافع من كل شيء، والحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها" (15). ويرى الإمام أن إهمال العلوم العملية والمعارف الكونية وصرف الأوقات وتضييع الجهود في فلسفات نظرية عقيمة وعلوم خيالية سقيمة كان سببًا من أسباب تخلف الأمة وسقوطها (16).

ويوضح الإمام البنَّا طبيعة العلم عند المسلمين، فيذكر أن الإسلام الحنيف قد ألزم العقل البشري لونًا من ألوان التفكير، هو أكملها وأتمها وأكثرها انطباقًا على واقع الحياة ومنطق الكون، وأعظمها نفعًا لبني الإنسان، ذلك هو الجمع بين الإيمان بالغيب (العقلية الغيبية) والانتفاع بالعقل (العقلية العلمية). ومن هنا كان لزامًا على الناس أن يعودوا إلى الإيمان بالله والنبوات وبالروح وبالحياة الآخرة، هذا في الوقت الذي يجب عليهم فيه أن يطلقوا لعقولهم العنان لتعلم وتعرف وتخترع وتكتشف وتسخر هذه المادة الصماء وتنتفع بما في الوجود من خيرات وميزات (17).

القوة الاقتصادية: 

يُعد الاقتصاد القوي ركنًا أساسيًّا من أركان النهضة، وقد نبَّه الإمام البنَّا إلى أهمية هذا الجانب في مشروع النهضة الإسلامية، ذلك أن أحدًا لن يشعر بالعزة والكرامة إلا بالحياة الكريمة، ولن تتحقق هذه الحياة إلا إذا توفرت له ضروريات الحياة، وشعر بالعدالة الاجتماعية والمساواة في الفرص المتكافئة.

لقد دعا الإمام البنَّا إلى انتشال الأمة من تضارب النظم والآراء الوافدة، من رأسمالية أو اشتراكية أو شيوعية، حتى تسلم من عيوبها وأخطائها وتنحل مشاكلها الاقتصادية من أقصر طريق (18). وحدد الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي، وهي على النحو التالي:

  • لم يحتقر الإسلام المال، ولم يزهد في الثروة ولم يحرم الطيبات، بل اعتبر المال من نعم الله الواجبة الشكر، وقال النبي ﷺ: "نعم المال الصالح للرجل الصالح"، واستعاذ من العوز والفقر وقرنه بالكفر فقال: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر"، وحث بعد ذلك على العمل والكسب، واعتبر ذلك قربة إلى الله تؤدي إلى حبه ومثوبته ومغفرته، فقال رسول الله ﷺ: "إن الله يحب المؤمن المحترف". وحرَّم السؤال والاستجداء لما في ذلك من مذلة وهوان.
  • أوصى الإسلام بالمحافظة على المال والاعتدال في إنفاقه وابتغاء أفضل السبل به فقال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء/5]، وقال: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان/67].
  • لفت الإسلام النظر إلى منابع الثروة وأصول طرائق الكسب من التجارة والزراعة والصناعة والثروات الحيوانية والمعدنية والمائية والهوائية والقوى الكونية، وحثَّ المسلمين على استغلالها وتثميرها والانتفاع بها وعدم الغفلة عنها.
  • حرم الإسلام الكسب الحرام وما يؤدي إليه من بغضاء وشحناء وفساد المجتمعات، لأن الإسلام حين أراد أن يوفر للفرد وسائل الحياة والرفاهية أراد كذلك أن يوفر للمجتمع حياة التكافل والطمأنينة، ويقضي فيه على فحش الأثرة والأنانية، فحرم الربا وحرم النصب وحرم الاحتيال، ووضع في ذلك القاعدة المعروفة من تقديم المنفعة العامة على المنفعة الخاصة دائمًا بما يوصل للخير العام.
  • رسم الإسلام الخطط الأساسية للتقريب بين الطبقات فانتقص من مال الغني بما يزكيه ويطهره وينقيه ويكسبه القلوب والمحامد، وزهّده في الترف والخيلاء ورغّبه في الصدقة والإحسان، وأجزل له في ذلك المثوبة والعطاء وقرر للفقير حقًّا معلومًا وجعله في كفالة الدولة أولاً وفي كفالة الأقارب ثانيًا وفي كفالة المجتمع بعد ذلك (19).
الصحة البدنية: 

تحتاج الأمة الناهضة إلى أفراد قادرين على تحمل أعباء النهضة وحماية مكتسباتها، ولهذا فإن الإسلام يدعو إلى الاهتمام بتقوية الأبدان. ولقد بلغ اهتمام الإمام البنَّا بالصحة البدنية مبلغًا عظيمًا، حتى إنه قدمها في حديثه عن صفات الأخ المسلم على متانة الخلق وثقافة الفكر وسلامة العقيدة وصحة العبادة (20)، وتفسير ذلك أن صحة الجسد تُعين على كل ما تلاها، وأن الجسد العليل الذي تناوشته الأسقام وحطمته الآلام لن يستطيع تحمل تبعات العمل وحماية الحق.

وقد استشهد الإمام البنَّا -رحمه الله- على أهمية الصحة البدنية للإنسان المسلم ثم لأمته المسلمة بقول الرسول ﷺ: "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف"، وقوله أيضًا: "إن لبدنك عليك حقًّا". ثم ذكر نماذج عديدة من التعاليم الإسلامية التي بيَّن فيها الرسول الأكرم سبل الاعتناء بالصحة، وهو ما يدخل في باب الطب الوقائي اليوم، من قبيل عدم الإفراط في الأكل والنهي عن تلويث منابع المياه والحجر الصحي على البلد المصاب بالطاعون وأهله والتحذير من العدوى والفرار من المجذوم، ثم التأكيد بعد ذلك على ممارسة الرياضة، والنهي المشدد عن التبتل والترهب وتعذيب الأجسام تقربًا إلى الله تعالى(21)، وذكر الإمام البنَّا أن كل هذه التعاليم تنطق "بعناية الإسلام البالغة بصحة الأمة العامَّة وتشديده في المحافظة عليها وإفساح صدره لكل ما فيه خيرها وسعادتها من هذا الجانب الهام" (22).

الجُندية: 

لابد لكل أمة من قوة تحمي نهضتها، وتدفع عنها الأعداء، وتردع المتربصين بها عن التفكير في إيقاف حركتها وتعطيل تقدمها. وهذه القوة هي التي عبَّر عنها الإمام البنَّا بالجندية. وقد دلل الإمام على أهمية الجندية من خلال اهتمام الإسلام بها، فقد "جعلها فريضة محكمة من فرائضه، ولم يفرق بينها وبين الصلاة والصوم في شيء" (23)، وهو ما نراه في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [لأنفال: 60].

ويفرق الإمام البنَّا بين عسكرية المسلمين وغيرهم من الأمم الأخرى التي تستخدمها في الاعتداء على غيرها، فالإسلام الذي قدس القوة هو الذي آثر عليها السلم، فقال تبارك وتعالى بعد آية القوة مباشرة: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [لأنفال: 61]. وهو الذي حدد ثمن النصر ومظاهره فقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: 41].

وقد وفق الإمام البنَّا في اختيار مصطلح الجندية، فالجندية لا تعني القوة المجردة، وإنما هي قوة منضبطة بالأخلاق، وروح تسري في المجتمع، فتصبغه بالجدية والنظام. ولهذا يرى الإمام أن الوصول إلى الجندية الصحيحة التي تعتمد عليها الأمة في حماية نهضتها ينطلق من الاهتمام بالنشء من خلال فرق الكشافة والجوالة وممارسة الرياضة، لأن هذه الأنشطة تقوم بدور هام في "تقوية الصف بتنمية جسوم الإخوان، وتعويدهم الطاعة والنظام والأخلاق الرياضية الفاضلة، وإعدادهم للجندية الصحيحة التي يفرضها الإسلام على كل مسلم"(24).

 

 

 

(1) أرسل الإمام البنَّا في عام 1948م رسالة مطولة إلى الملك فاروق، ملك مصر والسودان، وإلى رئيس وزرائه مصطفى النحاس باشا وإلى ملوك العالم الإسلامي وأمرائه وحكامه وإلى عدد كبير من أبرز الرجال ذوي الصفات الدينية والدنيوية في البلاد الإسلامية المختلفة يدعوهم فيها إلى الاعتماد على المنهج الإسلامي في إحداث نهضة إسلامية كبرى والتخلي عن مظاهر التقليد والتبعية للغرب. انظر رسالة "نحو النور" ضمن رسائل الإمام حسن البنَّا. 

(2) البنَّا، حسن. في عهد الانتقال، جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد 46، السنة الخامسة، 2 مارس 1937م، ص1-2.

(3) البنَّا، حسن. لابد من هذا لكل أمة تريد النهوض، جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد 30، السنة الأولى، 1 مارس 1934م، ص1-3.

(4) البنَّا، حسن. المنهج، جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد 31، السنة الأولى، 8 مارس 1934م، ص1-3.

(5) المصدر السابق، ص1-3.

(6) نفس المصدر، ص1-3. وانظر أيضًا: في عهد الانتقال، ص1-2.

(7) البنَّا، حسن. مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنَّا، ص49.

(8) المصدر السابق، ص69.

(9) نفس المصدر، ص49.

(10) نفس المصدر والصفحة.

(11) نفس المصدر، ص50.

(12) نفس المصدر، ص346.

(13) نفس المصدر، ص70.

(14) نفس المصدر والصفحة.

(15) نفس المصدر، ص374.

(16) نفس المصدر، ص144.

(17) نفس المصدر، ص121-122.

(18) نفس المصدر، ص249.

(19) نفس المصدر، ص250-255.

(20) نفس المصدر، ص375.

(21) نفس المصدر، ص74.

(22) نفس المصدر والصفحة.

(23) نفس المصدر، ص71.

(24) نفس المصدر، ص175.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم