في شقته الصغيرة التي تحولت إلى مكتب، كان كريم يراقب لوحة تحكم منصته التعليمية.
الأرقام كالقبور مائة مشترك في ثلاثة أشهر، بينما منافسوه يتجاوزون الآلاف.
كريم أستاذ فلسفة لكنه كان يحمل رسالة أن يعيد للعلم هيبته، وللمتعلم كرامته. لكنه اكتشف أن السوق الرقمي لا يشتري الجوهر ويشتري الواجهة.
جاءه شريكه الشاب حاملاً عرضاً "ذهبيّاً" من شركة تسويق: "نضاعف مشتركيك خلال أسبوع.
فقط امنحنا الصلاحية. سنصنع لك مائة تقييم خمس نجوم بحسابات حقيقية، ونعدل محتواك بعناوين مبالغ فيها: سر العبقرية في خمس خطوات، من لا يشترك يخسر مستقبله. وسنضع عداد تخفيضات ينتهي كل ليلة ويعود كل صباح.
الكل يفعلها يا كريم، السوق لا يرى الصادق، السوق يرى الأعلى تقييمًا.
وفي اليوم نفسه جاءته رسالة من منصة منافسة تعرض عليه شراء منصته مقابل مبلغ كبير، بشرط أن يوقع على تعهد بعدم المنافسة وأن يسلمهم قائمة مشتركيه الحقيقية ليستغلوها في تسويق منتجاتهم الأخرى. كان العرضان يتصارعان في رأسه: الأول يعد بانتشار سريع لكنه غش، والثاني يعد بمال وفير لكنه يخون ثقة مشتركيه.
في تلك الليلة لم ينم كريم. فتح درج مكتبه وأخرج كتابًا قديمًا لأستاذه الأول.
على غلافه كتب الأستاذ بخطه: العلم نور والبيع علم آخر، والأخلاق هي البوصلة. وتحت العبارة كان الأستاذ قد ألحق ورقة صغيرة، كتب فيها بخط أدق:
يا كريم ستأتي لحظة يطلبون منك أن تبيع ظلك بدلًا من جوهرك. تذكر أن النبي -ﷺ- قال: لا تلقوا الركبان، أي لا تستغلوا جهل المشتري. وفي عصرك، الركبان هم من يجهلون حقيقة ما يشترون.
تذكر كريم مشهدًا من سنوات دراسته: كان الأستاذ يشرح درسًا عن بيع الغرر، فقال لطلابه: الغرر هو كل عقد غامض العاقبة، كأن تبيع سمكة في الماء، أو طيرًا في الهواء. وفي زمنكم سترون صورًا معالجة وعقودًا مبهمة واشتراكات تخفي شروطها في سطور هامشية. فهذا هو الغرر بعينه. ثم نظر الأستاذ إلى كريم وقال:
أنت يا كريم ستصنع محتوى تعليميًّا. اجعله شفافًا كالماء أو لا تصنعه.
رفض كريم العرضين. لم يشعر ببطولة وهو يرفض؛ بل شعر بخوف رجل يقطع آخر حبال النجاة بيديه.
لكنه فعل شيئًا بدا لأصحابه جنونًا تسويقيًّا كاملًا:
نشر تغريدة قال فيها: هذه المنصة لا تعدك بعبقرية في أسبوع، ولا بثروة في شهر، ولا بأسرار خارقة. تعدك فقط بما أملك: علم حقيقي يحتاج إلى جهد.
وتعدك أيضًا بأن كل دورة سيكون فيها خانة اسمها: عيوب هذه الدورة، وكل محتوى سيكون واضح الشروط، وكل اشتراك يمكنك إلغاؤه في أي وقت دون تعقيد. هذا هو عقدي معك.
ثم أضاف في موقع المنصة خانة جديدة لم يرها في أي منصة منافسة:
ما لا تعرفه عن هذه الدورة وكتب تحت كل دورة بوضوح:
هذه الدورة تحتاج إلى خلفية في المنطق، وهذا المحتوى لا يناسب المبتدئين، وهذه التمارين تحتاج إلى وقت أطول مما تعلنه المنصات الأخرى. اشترِ فقط إن كنت مستعدًا للجهد، لا إن كنت تبحث عن حل سريع.
كان يكتب هذه العبارات ويتذكر مقعدًا في قاعة المحاضرات، كان أستاذه يضع عليه أكوامًا من الكتب، ويكتب على كل كتاب بطاقة صغيرة:
هذا الكتاب صعب، وهذا ترجمته ركيكة، وهذا يحتاج إلى معجم مساعد.
سأل كريم أستاذه مرة:
ألا تخاف أن يقل إقبال الطلاب على كتبك إذا عرفت عيوبها؟ فضحك الأستاذ وقال:
يا بني، النبي -ﷺ- حين أدخل يده في كومة طعام فوجد بللًا، قال لصاحبها: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني. وأنا يا كريم أضع البلل فوق الكومة. والعجيب أن من يقرأ العيوب هو من يشتري الكتب كلها.
في الأيام الأولى انخفضت المبيعات إلى الصفر تقريبًا. وكتب أحد المتابعين: هذا الرجل يريد أن يفلس.
لكن في الأسبوع الثاني جاءته رسالة من أستاذ فلسفة في جامعة أوروبية، قال فيها:
رأيت صدقك ووضوحك، وأريد أن أرشح منصتك لطلابي. فالناس تعبت من الوعود الكاذبة.
وجاءته رسالة أخرى من شاب سعودي يقول: أنا لا أشتري المحتوى، أنا أشتري كلامًا يصدق. سأشترك
ثم حدث ما لم يتوقعه:
بدأت التعليقات تتدفق، ليس تعليقات التقييم المزيفة بل تعليقات حقيقية مطولة ناقدة أحيانًا، وممتنة غالبًا.
كان كريم يرد على كل تعليق بصدق، ويعترف بالخطأ، ويصحح المحتوى، ويرد المال لمن لم يستفد، دون سؤال.
وفي أحد الأيام كتبت مشتركة من تونس: لم أستفد من الدورة الأولى لأنها كانت صعبة جدًّا، فبعث لي كريم رابط دورة تمهيدية مجانية، وقال: هذا خطؤنا، يجب أن نوضح مستوى الدورة بدقة أكبر. ومنذ ذلك اليوم أنا عميلة وفية.
وفي نهاية الشهر لم تكن منصته الأكبر، لكنها كانت الأعلى في نسبة الاستمرار، والأقل في طلبات الاسترجاع، والأكثر في التوصيات.
جاءه شريكه الشاب معتذرًا، وقال: لقد أخطأت. الكمية ليست كل شيء. الثبات هو المقياس الحقيقي.
وفي ليلة هادئة فتح كريم كتاب أستاذه القديم، وكتب في صفحة أخيرة فارغة: اليوم فهمت يا أستاذي. الصدق ليس أخلاقًا فقط بل هو استراتيجية. والسماحة ليست ضعفًا بل هي بركة. والوضوح ليس عيبًا بل هو ميزة تنافسية. والبركة ليست دعاءً فقط بل هي نتيجة طبيعية لمن يتقي الله في بيعه وشرائه. لقد ربحت اليوم أقل مما ربحه منافسي، لكني نمت قرير العين، وهذا ربح لا تسجله دفاتر المبيعات.
ثم كتب تحت ذلك: غدًا سأضيف سياسة جديدة:
إن لم ترَ فائدة خلال أول أسبوعين نعيد لك المال كاملًا دون سؤال. وهذا ليس كرمًا مني بل هو تطبيق لحديث النبي ﷺ: رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى.
أغلق كريم الكتاب وأطفأ الشاشة وقال في نفسه: في زمن يبيعون فيه الظل، أنا سأبيع الحقيقة. وفي سوق يغش فيه الكل، أنا سأكون الاستثناء. ليس لأني قديسًا بل لأني أريد أن أربح الدنيا والآخرة معًا، ثم فتح منصته وكتب في آخر صفحة:
هذه المنصة مبنية على الصدق، والسماحة، ووضوح العقد، واحترام المشتري. فإن وجدت فيها غشًّا أو غررًا، فأنا المسؤول، وسأصلحه في الحال. وإن رأيت فيها خيرًا، فادعُ لي فالدعاء من أغلى أرباح التاجر.
.
د. علي شيخون
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.