كان حازم الشريف يوقّع العقود بقلمٍ واحد يحمله في جيبه العلوي منذ خمسة عشر عاماً، ولم يكن يقرأ البند الأخير أبداً، لأن اسمه في أعلى الصفحة كان يكفي.
في ليلة الصفقة التي أنقذت شحنته قبل أسبوع من قرار جمركي مفاجئ جلس في مكتبه الخالي.. فتح دفتراً جلدياً صغيراً كان يخصّه وحده، وكتب: " هذا ليس حظاً، هذا حسّ لا يخطئ." أغلق الدفتر، وضعه في الدرج الأوسط تحت مفتاحٍ صغير،
خرج إلى صالة الاستقبال حيث كان أحد شركائه ينتظره ليهنئه، فقال بابتسامة هادئة: "الحمد لله، ما لنا إلا ما قسم الله."
قالها بلسانٍ يتقن التواضع أمام الناس، بينما كان قلبه يبتسم للجملة الأخرى التي ترك جبرها جافاً في الدفتر المغلق..
بعد أسابيع جاءه شاب من موظفيه يطلب استشارته في صفقة تعثّرت... حازم استمع إليه دقيقتين قبل أن يقاطعه: "أنت تحسب الأرقام صحيحة، لكنك لا تقرأ السوق كما أقرأه أنا. هذه مهارة لا تُدرَّس."
لم يقلها بقسوة إنما بنبرة معلّمٍ راضٍ عن نفسه،
خرج الشاب من المكتب مقتنعاً كما أراد له حازم أن يقتنع بأن هناك فرقاً جوهرياً بينه وبين الرجل الذي يجلس خلف هذا المكتب.
بعد سنتين يجلس في المصرف يحمل رقماً ورقياً بين أصابعه أمامه امرأة تشتكي لموظف الاستقبال عن رسوم تأخير، وخلفه شاب بالكاد يبلغ الثلاثين.
حين نودي رقمه جلس أمام الموظفة نفسها التي كانت منذ عامٍ ونصف تستقبله في مكتب المدير العام دون انتظار ..
سألته: "اسم العائلة؟" وكأنها لا تعرفه... أجاب بصوتٍ لم يتعرف عليه هو نفسه أكثر ارتفاعاً بقليل مما ينبغي: "الشريف. حازم الشريف."
لم تُبدِ الموظفة أي تعبير... طبعت الاسم وطلبت منه التوقيع في مكانين.
في تلك الفترة سأله ابنه ذو الاثني عشر عاماً وهما ينقلان صناديق الكتب إلى الشقة الجديدة، لماذا تركا البيت القديم.
لم يجد حازم جواباً يليق بحجم السؤال،
قال: "لأن هذا أفضل لنا الآن"، وهو يعلم أن ابنه لا يصدّقه، ويعلم أن الصدق كان سيتطلب جملة لم يكن مستعداً بعد أن يقولها لنفسه، فضلاً عن أن يقولها لابن في الثانية عشرة.
في طريق العودة من المدرسة ذات مساء صادف ذلك الشاب الموظف الذي نصحه يوماً بقراءة الأرقام "كما يقرأها هو"، فوجده الآن يملك مكتباً صغيراً باسمه..حياه بأدب، لكن حازم لاحظ في عينيه نظرة لم يستطع تحديدها بدقة.. ليست شماتة، لكنها ليست حياداً أيضاً.
بدأ يبيع ما تبقى من قطع أثاثٍ لا يحتاجها فعلاً مقنعاً زوجته أنها "إعادة ترتيب".
في المساء حين ينام الأولاد.. يفتح خزانة المكتب المنزلي بحثاً عمّا يمكن تسييله..
وقعت يده على المفتاح الصغير في قاع درج قديم، فتذكّر الدفتر الجلدي الذي نسيه في مكتبه القديم قبل أن يُخليه... تذكّر أنه أخذه معه في آخر يوم ضمن كرتونة أوراق لم يفتحها منذ ذلك الحين.
وجدها في زاوية المستودع.. فتح الكرتونة وأخرج الدفتر.
الصفحة الأولى التي فتحها كانت تلك الجملة "هذا ليس حظاً، هذا حسّ لا يخطئ." قرأها مرتين.
لم يشعر بالخجل الذي توقعه من نفسه..شعر بشيء أقرب إلى الدوار، لأنه أدرك أن الصوت الذي كتب تلك الجملة هو الصوت نفسه الذي كان يقول له منذ أشهر كل ليلة تقريباً وهو يحدّق في السقف: "لماذا أنا؟ ألم أكن حريصاً على ديني ومالي أكثر من نصف من أعرفهم؟"
الجملتان تبدوان متضادتين تماماً.. واحدة تفاخر وأخرى تشتكي، لكنهما كانتا وهو يقلّب الدفتر بين يديه في ضوء مصباحٍ واحد معلّق بصوتٍ واحد يتحدث عن نفسه فقط في الحالتين.
أغلق الدفتر ولم يُعِده إلى الكرتونة.
وضعه على الرف فوق مكتبه حيث يراه كل صباح، دون أن يفتحه مرة أخرى لأشهر.
بعد سنتين حين نجحت أول صفقة حقيقية له منذ الانهيار - شحنة صغيرة، بالكاد تعادل عُشر ما كان يتعامل به سابقاً - جلس في المكتب الجديد الأصغر بكثير من القديم، وفتح دفتراً آخر أبيض هذه المرة ليكتب ملاحظة عن الصفقة كعادته القديمة.
بدأ الجملة بحرف الألف"أنا..." توقف القلم في منتصف الحرف معلّقاً فوق الورقة.
نظر إلى الرف حيث لا يزال الدفتر الجلدي القديم مكانه.
جلس هكذا دقيقة كاملة لا يكتب شيئاً.. شطب الحرف الذي بدأه بخطٍ واحد رفيع..كتب بدلاً منه: "اليوم نجحت الصفقة. لا أعرف إن كان هذا توفيقاً، أم أنها مجرد صفقة أخرى كسابقاتها."
نظر إلى الجملة طويلاً.. أغلق الدفتر دون أن يضيف شيئاً..نهض ليغسل كوب الشاي تاركاً السؤال كما هو بلا إجابة هذه المرة...
اقرأ أيضًا: السيد القطب الأديب الذي علمنا جمال الحياة في ظلال القرآن
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.
د. علي شيخون
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.