تتعدد اليوم كتب التربية ودوراتها وقنواتها، ويقع الأب والأم في حيرة: بمن نثق؟ وماذا نأخذ؟ وما الذي نترك؟ وفي غمرة هذا التزاحم يحسن أن نعود إلى أصل واضح يُبنى عليه كل شيء.
ثلاثة مصادر
جاء في وصف مصادر الإسلام: «فأما كتاب الله فهو أساس الإسلام ودعامته، وأما سنة رسوله فهي مبيّنة الكتاب وشارحته، وأما سيرة السلف الصالح فهم رضوان الله عليهم منفذو أوامره والآخذون بتعاليمه، وهم المُثل العملية والصورة الماثلة لهذه الأوامر والتعاليم.»
وفي هذا النص ترتيب واضح:
الأول: كتاب الله «أساس الإسلام ودعامته». فما أردنا أن نبني عليه شيئًا في التربية فلنجعله على الأساس.
الثاني: السنة «مبيّنة الكتاب وشارحته». فنفهم القرآن بما بيّنه النبي ﷺ. والقاعدة في ذلك: «القرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرّف أحكام الإسلام، ويُفهم القرآن طبقًا لقواعد اللغة العربية من غير تكلّف ولا تعسّف، ويُرجَع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات.»
الثالث: سيرة السلف «المُثل العملية». وهذه نقطة لافتة: فالصحابة والتابعون ليسوا مجرد أسماء في كتب التاريخ، بل هم «الصورة الماثلة» لما جاء في القرآن والسنة. فمن أراد أن يرى كيف يُطبَّق الأمر بالصدق أو الرحمة أو الأمانة، فلينظر في حياتهم.
الاتباع قبل الابتداع
وأثر عن السلف قولهم في ذلك:
- قال ابن مسعود رضي الله عنه: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم.»
- وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «عليك بتقوى الله والاستقامة، واتبع ولا تبتدع.»
ثم يلخّص الأمر في عبارة جامعة: «والخير كل الخير في الاتباع لا الابتداع.»
والمراد هنا: أن نمسك بما ثبت في الكتاب والسنة وفهم الصحابة، وألا نخترع في الدين ما لا أصل له، وألا نأخذ التربية من كل ما يُعرض من أفكار دون ميزان.
ماذا نفعل في تربيتنا؟
1) اجعل القرآن أول مرجع. اقرأ مع أبنائك آيات التربية: برّ الوالدين، والصدق، وحفظ اللسان، والتواضع، ثم اسألهم: ما الذي نفعله في بيتنا من هذا؟
2) اجعل السنة تفسيرًا عمليًّا. كل خلق نريد أن نغرسه، ابحث عن موقف للنبي -ﷺ- يبيّنه. فالحياء، والرفق، والرحمة، والإنصاف، كلها لها شواهد في سيرته.
3) اعرض سيرة الصحابة على أنها «تطبيق» لا «تاريخ». حين تحكي موقفًا من حياة أبي بكر أو عمر أو عائشة رضي الله عنهم، اسأل ابنك: ماذا كان الدرس؟ وكيف نطبقه اليوم؟
4) ثق بالمصادر الموثوقة. اسأل عن مصدر الحديث، واجعل فهم السنة عن أهل الحديث الثقات، وافهم القرآن على قواعد اللغة العربية من غير تكلّف.
5) انتفع بالتجارب الحديثة دون أن تجعلها أصلًا. في علم النفس والتربية الحديث ما يفيد، فخذ ما وافق الأصول، وردّ ما خالفها.
6) لا تبتدع «أوراد» جديدة وطقوسًا. إذا أردت أن تعوّد أبناءك على عبادة، فاعتمد على ما ثبت عن النبي ﷺ، ولا تخترع صيغًا جديدة أو شعائر لا أصل لها.
ما نحذر منه
- التكلّف والتعسّف في فهم النصوص. فنحمل الآية على ما لا تحتمل.
- قبول كل ما يُنسب إلى النبي ﷺ. فلا بد من الرجوع إلى الثقات.
- الاكتفاء بالنظريات. فسيرة السلف تعلّمنا أن الدين عمل وتطبيق.
خاتمة
حين تتعدد المصادر وتتزاحم الأفكار، فلنرجع إلى الأساس: كتاب الله دعامة، وسنة رسوله شرحًا، وسيرة السلف صورة تطبيقية. وكما قال الأولون: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم.
اقرأ أيضًا: ثلاثة مواقف مِن الأمل لكل مَن يربي
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.