في ذكرى استشهاده
كيف علّمنا السيد قطب أن نكتشف جمال القرآن؟
من حق الأمة الإسلامية علينا في هذه المرحلة أن نقدم لها دراسة شاملة لشخصية السيد القطب الذي استشهد دفاعًا عن حقها في أن تعيش في ظلال القرآن، ثم تنطلق بالقرآن لتحقق الاستقلال الشامل والحرية والكرامة.
و شخصية السيد القطب تحتاج إلى دراسات علمية من جوانب متعددة؛ لأنها يمكن أن تسهم في فهم الأمة الإسلامية لشخصيتها وهويتها ومصادر قوتها.
وسيركز هذا المقال اليوم على توضيح شخصية الأديب وخبرته باكتشاف الجمال اللغوي والحضاري يمكن أن تفتح لنا مجالًا جديدًا لفهم القرآن والحياة به، وبناء مشروع حضاري إسلامي.
الأديب يكتشف جمال القرآن
كان السيد القطب أديبًا وشاعرًا وناقدا تمكن من تطوير الأساليب الأدبية في التصوير، وكان أستاذًا لكل ناقد يريد أن يطور قدراته في اكتشاف جمال الصورة الأدبية، ولذلك كان يتمنى كل أديب أن يكتب مقالا في مجلة الرسالة التي كان يعمل ناقدًا أدبيًا لها.. وكان يرى أن الأدب يجب أن يقود الكفاح ضد الاستعمار والاستبداد، وأن يدافع عن الحق، وكان موقفه واضحًا عندما كان يرأس تحرير جريدة الإخوان المسلمون عام 1954، في رفض الاتجاه الذي انتشر في ذلك الوقت، والذي يقوم على أن الفن للفن، وليس للحياة، فلا قيمة لأدب لا يقود كفاح الأمة للنهضة والاستقلال والحرية، وجمال الأدب يتجلى في رفض الظلم والعبودية لغير الله تعالى.
ولذلك عندما قرأ الأديب القرآن الكريم وعاش في ظلاله ، انتبه إلى الإعجاز الحضاري؛ واكتشف جمال الصور، فظهر ذلك في كتابه "التصوير الفني في القرآن" ثم "مشاهد القيامة في القرآن".
كيف يقرأ الأديب القرآن
من يريد الحياة في ظلال القرآن الكريم يجب أن يتعلم الأدب ليكتشف الصور الحية ، وينطلق خياله فيشعر بجمال المشهد، فتدخل المعاني إلى قلبه قبل أن يفهمها بعقله، فيبني بها المستقبل، والأديب يطور قدرته على أن يشعر فينفعل وينطلق ويصف التجربة الشعورية عندما يسطع ضياء الآيات في نفسه المشتاقة للجمال، فتتفاعل نفسه مع آيات القرآن الكريم التي تفتح أمام الإنسان آفاق الحياة والحرية والكرامة المرتبطة بالإيمان بالله سبحانه وتعالى.
وتشتد حاجة الأمة الإسلامية في هذه الفترة من التاريخ إلى أديب يكتشف جمال القرآن الكريم، ويجعلها تحيا في ظلاله.. وكان من أهم ما علمنا السيد القطب هو أن نعطي أنفسنا وقلوبنا وعقولنا وضمائرنا للقرآن الكريم لنتمكن من رؤية الصور والمشاهد ونفهم المعاني، فننطلق بها في الحياة لنبني النهضة والحضارة.
الأمة تفخر بجمال القرآن
قبل السيد القطب كان هناك الكثيرمن العلماء الأعلام الذين فسروا القرآن الكريم من الجوانب اللغوية والبلاغية وشرحوا المعاني، مثل: الطبري والزمخشري والرازي وابن كثير وابن عاشور وغيرهم.
لكن السيد القطب الأديب علمنا كيف نكتشف الأبعاد الجمالية والتصويرية في القرآن، فيتزايد حبنا للقرآن الكريم، ونشعر بالفخربأننا نعيش في ظلاله، فنتأمل الصور وينطلق خيالنا ويتحرر، ونعتز بهويتنا وبرسالتنا.
وكانت الأمة الإسلامية تحتاج إلى هذه الرؤية الأدبية، وتوظيف المنهج الأدبي في اكتشاف الجمال والإعجاز والمعاني والصور، ولقد جاء السيد القطب من عالم الأدب ليكشف للأمة جمال الحياة في ظلال القرآن، وأن هذا القرآن الكريم يستحق التضحية من أجله بالحياة، وكيف يشكل القرآن الكريم عقلية المسلم وشخصيته وقلبه ونفسه ومشاعره وسلوكه وحياته.
ولا يعني ذلك أن السيد القطب كان مجرد أديب، فقد كان عالمًا، ومربيًّا لجيل وقائدًا للمعرفة، ومسلمًا امتلك شجاعة القلب والضمير ليعبر عن أمته التي تريد أن تحيا بقرآنها، وتستعيد مكانتها وقدرتها على بناء الحضارة.. وشهيدًا قدم روحه فداء للقرآن الكريم.
لكي نفهم القرآن الكريم بقلب الأديب وعقل العالم يجب أن نتذكر السيد القطب الذي علمنا أن نكتشف جمال القرآن الكريم ونعيش في ظلاله أحرارًا كرماء نؤمن بالله –تبارك وتعالى- وحده، ونمتلك القوة لنعبر بوضوح عن موقفنا في الحياة، فالقرآن الكريم يبني شخصيتنا وهويتنا وحضارتنا ومستقبلنا.
اقرأ أيضًا: ثمرات الإخلاص التي تُجنى قبل الآخرة
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.
د. سليمان صالح
أستاذ الصحافة والاعلام الدولي بكلية الاعلام جامعة القاهرة، رئيس قسم الصحافة السابق بكلية الاعلام جامعة القاهرة، مفكر إسلامي